دروس يوليو الكثيرة

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

فرق كبير بين أن ينشل الحرامي محفظة أحدهم، أو يسطو على محتويات محل أو مصنع، أو يخطف سلسلة أو حقيبة أو هاتف محمول، وبين أن ينشل محفظة توت عنخ آمون، أو يسطو على سيارة قائد أو زعيم تاريخي، أو يخطف سلسلة أو حقيبة كانت تخص ملكة من ملكات الأسرة الرابعة أو الخامسة أو السادسة. هذا ليس تخفيفاً أو تهويناً من جرائم النشل والسطو والسرقة، لكن حين تضاف إليها توليفة مركزة من الجهل والبلادة وانعدام ألف باء الإلمام أو الاكتراث بمعنى أو قيمة المقتنيات المسروقة للتاريخ والبشرية، تكون الجريمة جريمتين بشعتين.

أسمع همهمات ساخرة بأن الحرامي لا يكون عادة خريج السوربون، أو من المهتمين بالتاريخ القديم أو المعاصر أو حتى الحاضر. وأرد بدوري أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يدفعك إجرامك وانعدام ضميرك وتحلل أخلاقك لتسرق ما ليس لك، وبين أن تسطو على تاريخ حضارة أو جزء من ذاكرة بلد.

قبل ساعات، طالعنا خبر القبض على شخص في الإسكندرية تسلل إلى مخزن أنتيكات، وسطا على سيارتين تاريخيتين من طراز «كاديلاك» و«كابريس»، لا بغرض بيعهما قطعتين أثريتين قيمتهما في تاريخهما، لا في كونهما سيارتين. ولم يكتف بسرقتهما، بل قطعهما لبيعهما حديد خردة!

الأخبار المتداولة نقلت عن مالك إحدى السيارتين قوله إن «الحرامي» على الأرجح لم يكن يدرك القيمة التاريخية لهما. ورأيي أن المصيبة الأكبر تكمن في ترجيح أن معرفة الحرامي بقيمة السيارتين التاريخية من عدمها لم تكن لتؤثر كثيراً على قرار تقطيعهما لبيعهما بالكيلو في سوق خردة الحديد، وهي المصيبة الأكبر.

وتحضرني هنا الواقعة المروعة التي عشناها في سبتمبر الماضي، حين دبرت وخططت وأنجزت إخصائية ترميم في المتحف المصري لسرقة أسورة ذهبية من مقتنيات المتحف المصري في ميدان التحرير. إخصائية الترميم، وهي دارسة للتاريخ، والحضارة، والثقافة، لم تر في الأسورة الذهبية قيمة ومكانة ومعنى لملايين المصريين ومليارات البشر على ظهر الكوكب، ولم تر فيها فرصة لبيعها أو تهريبها لتباع كقطعة أثرية في مزاد أو متحف كآلاف القطع التي سُرَقت وهُربت وبيعت ووجدت طريقها إلى قاعات المتاحف العالمية، لتتحول «سرقة التاريخ» إلى فضيحة تدين الجميع، ولكنها لم تر فيها إلا «ذهباً» سعر الجرام كذا، وكأنها تبيع شبكة خالتها بعد فسخ خطبتها.

أسمع مجدداً الهمهمات المعتادة، ولكنها هذه المرة تتردد كلمات الفقر والعوز باعتبارهما السبب الرئيسي. لن أتحدث عن الفقير النزيه، أو المعوز الشريف، فنحن بشر، والبشر خطاء. لكن ماذا عن الفقر المصحوب بحد أدنى من معرفة الفرق بين سرقة أسورة من محل صائغ وسرقتها من متحف تاريخي؟! وماذا عن العوز الذي يفرق بين سرقة سيارة تقف في الشارع، وبين تقطيع سيارة تاريخية لبيعها خردة مثلها مثل المواسير المعدنية القديمة، أو المسامير الصدئة، أو مضخات المياه الخربة؟!

لا أعتقد أن مثل هذه الأسئلة ستشغل كثيرين، وهذا في حد ذاته مدعاة للعلاج الجمعي. إنه ثالوث التعليم والثقافة والإعلام!

وبما أننا نحتفل بالذكرى الـ74 لثورة 23 يوليو، وبصرف النظر عن موقف كل منا السياسي منها، والمراجعات التي تحدث بين وقت وآخر، وهي ضرورية سواء لتثمين فكرة، أو دحض أخرى، تظل 23 يوليو مناسبة عظيمة نحتفي بها، ونتذكر قائدها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. وبهذه المناسبة، فإن إحدى السيارتين اللتين جرى تفكيكهما لبيعهما خردة، كانت مملوكة له!

نحتفي بالذكرى، وبالتاريخ، وبزعيم راحل، وفي الوقت نفسه، نرصد ونحلل ونقيم ما يجري وما جرى للمصريين، إيجاباً وسلباً. نعمق الإيجابي ونوسع قاعدته، ونواجه السلبي، ونعرف أسبابه، ونعالجه ونداوِي آثاره.

وهذا في حد ذاته مجال بالغ الثراء والرحابة للدراسة والفهم والعلاج. في فبراير الماضي، نشرت مؤسسة «بيو» الدولية لأبحاث الإنترنت نتائج استطلاع ضخم أجرته في 25 دولة عنوانه «ما الذي يجعل الشعوب فخورة بدولها؟». حلل الاستطلاع أبرز أسباب الفخر، وكذلك عدم الفخر. كما ألقى الضوء على الفروق الثقافية والاجتماعية بين الشعوب المختلفة والتي تجعل سبب الفخر هنا أمراً لا يسترعي الانتباه هناك.

اللافت أن شعوباً عدة ذكرت التاريخ، والجغرافيا، والطقس، والتعددية، وبالطبع السياسة، والساسة أسباباً للفخر، وأيضاً لعدم الفخر.

ربما نحتاج إلى استطلاع شبيه يقيس مشاعر المصريين تجاه الوطن، وأسبابها. المعرفة لا تضر، لكن قلتها أو غيابها يضر كثيراً. وتعريف الوطنية مرن ولا يقتصر على تعريف واحد أو مكون دون غيره. كما أن الوطنية ليست أغنية، أو عملاً درامياً، أو درساً في منهج فقط. هي منظومة وأسلوب حياة. ووطنية المصريين تدرس في المدارس والجامعات، لأنها تفاجئك بما لا يمكن توقعه، وفي أوقات مدهشة، وبطرق مذهلة، لكن هذا لا يعني أن الأمر بحاجة إلى فهم وقياس، وعلاج لما أصابه علة أو وعكة. نحن بشر أولاً وأخيراً، ودروس يوليو تستمر طيلة العام.