الفريضة الغائبة في الأحزاب (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

جاء توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال احتفالية افتتاح «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة، بضرورة تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل كوادرها، ليؤكد على أهمية الدور الحيوي الذي يجب أن تلعبه الأحزاب في المشهد الوطني، وليعيد -في الوقت نفسه- فتح ملف ظل مهمشاً لعقود طويلة، التوجيه الرئاسي لا يحمل فقط رسالة دعم سياسي، لكنه يمثل تشخيصاً دقيقاً لعِلَّة مزمنة تعاني منها البنية الحزبية، ويضع الأصبع على مكمن الخلل، ويكشف عن فجوة عميقة تعاني منها الأحزاب السياسية المصرية، وتتمثل في غياب التنظيم والتثقيف، أو ما يمكن أن نطلق عليه «الفريضة الغائبة في الأحزاب».

وتُعد أمانتا التنظيم والتثقيف هما العمود الفقري في الأحزاب الحية، ولا يمكن تصور وجود حزب سياسي حقيقي دون بنية تنظيمية صلبة ومنهج تثقيفي رصين.

التنظيم هو الجهاز العصبي للحزب، الذي يحول الأفكار والرؤى إلى ممارسة ميدانية، ويربط القيادات بالقواعد، ويضمن استمرارية العمل المؤسسي عبر الأجيال.

أما التثقيف فهو الوسيلة المثلى التي تصوغ الوعي الجمعي للأعضاء، وتبلور الهوية الفكرية للحزب، وتخلق حالة من الانسجام الفكري بين أعضائه.

في الديمقراطيات العريقة، تستثمر الأحزاب الرئيسية الجزء الأكبر من مواردها في بناء جهاز تنظيمي يمتد كالشعيرات الدموية في جسد المجتمع، وفي إنشاء مراكز بحثية وإقامة دورات التثقيف لتخريج كوادر مؤهلة فكرياً وسياسياً، أو عبر التعاون مع مراكز الدراسات والأبحاث الخارجية، وهذا الاستثمار هو ما يمنحها القدرة على البقاء والتجدد، ويجعل منها رقماً فاعلاً في المعادلة السياسية، وليست مجرد ديكور سياسي لا يلفت الأنظار، ولا يعرفه رأي العام إلا في المواسم الانتخابية فقط، حتى شاع التعبير الشعبي عند رؤية الحزبيين في الشارع: «دول بتوع الانتخابات».

بالنظر إلى واقع الحال في مصر، تبدو صورة قاتمة، حيث نرى غالبية الأحزاب -التي يتجاوز عددها المائة حزب- تعاني من ضمور تنظيمي مخيف، وفراغ تثقيفي حاد، وتتجلى مظاهر هذا الخلل في عدة أمور لا يستطيع أحد من داخل الأحزاب ذاتها إنكارها:

أولها، أن غالبية هذه الأحزاب بلا قواعد، وتفتقر إلى وجود تنظيمي حقيقي في المحافظات والقرى والأحياء الشعبية، ولا يتعدى وجود بعضها مجرد مكاتب (إدارية) في عواصم المحافظات، وإن بحثت عن الأعضاء الفاعلين داخلها، فلن تجد أحداً. وهذه المكاتب تنشط فقط في فترات الاستحقاقات الانتخابية بحثاً عن مرشحين -حتى من غير أعضاء الحزب- ثم تعود إلى نومها العميق مجدداً.

هذا الغياب عن الشارع يجعل الأحزاب عاجزة عن فهم نبض المجتمع كما هو، ومن هنا عندما تحاول التعبير عن همومه تلجأ للمزايدة السياسية، لتبدو وكأنها منحازة لقضايا وهموم المواطنين.

والأمر الثاني، يتمثل في وجود الكوادر الحزبية غير المؤهلة، ويندر أن تجد حزباً يمتلك برنامجاً (منهجياً) لتأهيل كوادره سياسياً وفكرياً، فمعظم المنتمين للأحزاب يفتقرون إلى المعرفة المتعمقة بالأيديولوجيات السياسية، وإلى الفهم الدقيق لآليات العمل العام، وإلى التدريب على مهارات التواصل الجماهيري وإدارة الحملات، والأدهى والأمر أن كثيراً من قيادات الأحزاب لم يروا في حياتهم نسخة من برنامج الحزب الذي ينتمون إليه، ناهيك عن قراءته وفهمه.

النتيجة الحتمية هي ما نراه في المشهد العام من نخب حزبية هشة تعجز عن تقديم خطاب سياسي متماسك، وتفشل في منافسة التيارات التقليدية القائمة على أسس دينية أو قبلية أو عائلية.

الأمر الثالث الدال على الخلل، يتمثل في شيوع الخطاب الخالي من المضمون، لأنه في غياب التثقيف، تتحول الأحزاب إلى كيانات فارغة المحتوى، ترفع شعارات عامة (شعبوية) لا تميزها عن غيرها، وتتبنى برامج متشابهة، لا يمكن اعتبارها وثيقة حزبية تعبر عن رؤية فكرية محددة.

وللحديث بقية..