ورقة عمرها 106 سنوات.. حكاية أول ضحايا ريا وسكينة
ورقة عمرها 106 سنوات.. حكاية أول ضحايا ريا وسكينة
لم تكن الصفحة مجرد وثيقة صفراء طوتها 106 أعوام من الزمن، بل مثلت «مانشيت» صحفياً كشف إحدى أبشع الجرائم في التاريخ المصري الحديث؛ ففي العدد الصادر يوم 29 نوفمبر 1920، تصدرت مجلة «اللطائف المصورة» المشهد بمانشيت عريض هز الرأي العام: «أكبر جناية اكتُشفت في مصر.. مقتل النساء».
شكل الخبر إعلاناً رسمياً عن سقوط أخطر عصابة عرفتها مصر في مطلع القرن العشرين؛ وهما «ريا وسكينة» اللتان حولتا أحياء الإسكندرية الشعبية إلى مسرح لجرائم قتل متسلسلة، استهدفت النساء طمعاً في حليهن الذهبية.
منزل بسيط أخفى جثث الضحايا وتحول إلى أعمال درامية خالدة
لم يتصور أحد أن منزلاً بسيطاً في أحد أزقة المدينة يخفي أسفله جثث نساء اختفين دون أثر، على أيدي «سفاحتين» وأزواجهما، لتتحول الجريمة البشعة فيما بعد إلى مادة ثرية دونها الكُتاب، وتُرجمت إلى أفلام ومسلسلات حققت نجاحاً كبيراً، أبرزها المسلسل الشهير «ريا وسكينة» الذي عاود رواد منصات التواصل الاجتماعي نشر مقاطعه وحلقاته اليوم.
مانشيت تاريخي
وفي 1920، وعقب عام من سلسلة من الجرائم طالت أكثر من 17 امرأة، بمختلف الأعمار، خصصت «اللطائف المصورة» صفحتها الأولى للجريمة التي شغلت المصريين، عقب سقوط القاتلتان، إذ كشفت المجلة أن الدافع الأساسي وراء عمليات القتل كان السرقة، موضحة أن العصابة كانت تستدرج النساء إلى المنزل، ثم تُجردهن من مصوغاتهن الذهبية قبل التخلص منهن ودفن الجثث داخل المنزل.
وأشارت المجلة إلى أن أفراد العصابة لم يكونوا يعملون بمفردهم، بل استعانوا بعدد من الوسطاء لاستدراج الضحايا، حيث كانت الغنائم تُقسم بين أفراد المجموعة بعد كل جريمة.

تفاصيل الجريمة الأولى التي رسمت الطريق
خضرة محمد اللامي، الصديقة التي تحولت إلى أول ضحية، لم تكن غريبة عن ريا وسكينة، بل كانت من أقرب معارفهما، المرأة البالغة الأربعين من عمرها، متزوجة ولديها ابن، كانت عملت معهما لسنوات في بيوت البغاء،وهو ما جعلها تدخل منزلهما مطمئنة، دون أن يخطر ببالها أن تلك الزيارة ستكون الأخيرة.
يروي الكاتب صلاح عيسى في كتابه «رجال ريا وسكينة» أن الشرارة الأولى للجريمة انطلقت في أحد أيام ديسمبر عام 1919، عندما كانت خضرة تجلس بصحبة ريا داخل المنزل في انتظار أحد الزبائن، وخلال الحديث، وقعت عين ريا على معصم خضرة، حيث كانت ترتدي عدة أساور ذهبية، إلى جانب زوج من الأساور الثقيلة، لتنظر إليها نظرة «الجائع» إلى المال.
في حينها، همست ريا لزوجها حسب الله بما لاحظته، لتبدأ الخطة التي تحولت إلى أول جريمة قتل في سجل العصابة.
سرعان ما وصلت الفكرة سريعًا إلى عبدالرازق يوسف، أحد أفراد المجموعة، الذي رأى أن الحلي التي تمتلكها خضرة تستحق الأمر، وبدأ الأربعة في البحث عن وسيلة للاستيلاء عليها، وذلك من خلال اغراءها بشرب كمية كبيرة من الخمر حتى تفقد وعيها، ثم نزع الحلي منها، لكن الخوف من اكتشاف الأمر، جعل الخطة تتغير، فلم تعد السرقة وحدها كافية، وأصبح القتل هو الضمان الوحيد لإخفاء الجريمة.
ليلة تغير فيها كل شيء
حاول عبدالرازق في البداية استدراج خضرة بحجة إنهاء خلاف قديم بينهما، واستمرت الجلسة لساعات دون أن يتمكن من تنفيذ ما خُطط له، لكن أفراد العصابة لم يتراجعوا
وبعد أيام قليلة، وتحديدًا في 21 ديسمبر 1919، استدرجوا خضرة مرة أخرى إلى منزل ريا، وهناك انتهت حياتها «خنقًا»، لتصبح أول ضحية في سلسلة الجرائم التي ستكشفها الشرطة بعد أشهر، وتتحول إلى واحدة من أشهر القضايا الجنائية في تاريخ مصر.
كانت تلك الجريمة بداية مسلسل دموي استمر حتى وقوع عصابة ريا وسكينة، وبعد مرور أكثر من قرن، لا تزال الصفحة الأولى من «اللطائف المصورة» شاهدة على اللحظة التي خرج فيها السر إلى العلن، لتوثق بالصورة والكلمة واحدة من أكثر القضايا إثارة في تاريخ الصحافة المصرية.