الحصاد المر لـ«التنمر».. من «التربية الخاطئة والشاشات» إلى المدرسة
الحصاد المر لـ«التنمر».. من «التربية الخاطئة والشاشات» إلى المدرسة
«يا أبو جسم تخين.. خس ياض»، هكذا كان «كريم حسين»، 11 عاماً، يسمع كلمات التنمر على جسده، لكنه كان مهتماً أكثر، وقتها، بحماية نفسه من ركلات زميليه المبرحة فى بطنه بعد أن أسقطاه أرضاً أمام بوابة المدرسة. كتم «كريم» دموعه حتى رحلا، وعندما عاد إلى المنزل، وبدأت والدته وخالته فى سؤاله عن سبب تلك السحجات فى وجهه و«الخرابيش» فى رقبته، حكى لهما أن السبب هو رفضه «تغشيش» زملائه خلال امتحان الشهر، فما كان منهم إلا أن تنمروا عليه داخل المدرسة، وقرروا إكمال مهمتهم بالضرب خارج أبوابها هرباً من عواقب فعلتهم.
حالة من الضيق والغضب انتابت الأم والخالة، سرعان ما تحولت بعد ثلاثة أيام فقط إلى هلع ورعب، حيث كانت نتيجة «التنمر المدرسى» الذى تعرَّض له الابن هو عدم القدرة على تناول الطعام أو الشراب، والتهاب فى البنكرياس والكلى، وأخيراً الدخول فى غيبوية لعدة أيام. التفاصيل المؤلمة فى حكاية الطالب «كريم» تكشف عن مدى قسوة «التنمر المدرسى»، فرغم الجهود الحكومية، بل والدولية، لمواجهة «التنمر»، إلا أنه بدأ يتخذ أشكالاً جديدة، ولم يعد يقتصر على التعليقات الساخرة، بل ظهرت أنواع أكثر حدة مثل التنمر النفسى والتنمر الجسدى كما فى حالة «كريم»، والنتيجة معاناة تهدد شعور الأطفال بالأمان وتنعكس سلباً على صحتهم النفسية وتحصيلهم الدراسى، وتترك آثاراً نفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات طويلة.
خلال السطور القادمة تحاول «الوطن» سبر أغوار تلك الظاهرة بالتحليل والبحث عن إجابات لسؤال: لماذا وصل التنمر المدرسى لهذا الشكل من القسوة؟ وما الحلول لمواجهته؟ وذلك من خلال عرض شهادات لطلاب تعرضوا للتنمر بأشكاله المختلفة، وآراء مُعلمين ومديرى مدارس، إلى جانب مُتخصصين فى علم النفس وخبراء تربية، ورؤية وزارة التربية والتعليم تجاه الظاهرة وآليات التعامل معها.
«كريم» دخل فى غيبوبة ولا يزال بـ«الرعاية المركزة».. و«سليم» أصبح جانياً بعدما كان مجنياً عليه.. و«سميرة» تُعالج نفسياً بعد 17 سنة من التنمر عليها
بين ممرات المستشفى جلست «دينا» تحاول تهدئة شقيقتها «أسماء»، والدة الطفل «كريم»، طالب الصف السادس الابتدائى، الذى تعرَّض للتنمر النفسى والجسدى خلال التيرم الدراسى الأخير، وعندما وجدت شقيقتها غير قادرة على الكلام، بدأت «دينا» تتحدث بنفسها لـ«الوطن»، قائلة: «كريم ولد طيب معروف بسلوكه الهادى، لما رفض يغشش زملاءه فى الامتحان، كانت النتيجة إنهم ضربوه على قفاه، ولما اشتكى للمُدرسة وعاقبت الولدين، توعدوه إنهم هينتظروه على باب المدرسة، وقد كان».
أسابيع بين المستشفيات ومراكز الأشعة والتحاليل، وعشرات الأطباء، واختلاف التشخيصات، هكذا كانت رحلة عائلة كريم، بحسب خالته «دينا»، التى أشارت لتأكيدات الأطباء أن الركلات التى تعرَّض لها تسبَّبت فى تجمعات دموية فى بطنه، والتهاب البنكرياس والكلى، ما استدعى عمل مناظير لإزالة بعضها وأشعة بالصبغة، قائلة: «تصدقى بالله رغم كل اللى حصل ده، والد كريم من طيبته لم يكن فى باله تقديم شكوى ضد الولدين باعتبارهما طفلين، لولا تصميم الطبيب، الذى أكد أن حالة كريم فى خطر، ويجب تقديم بلاغ للنيابة».
عندما أفاق «كريم» من الغيبوبة واستجوبته النيابة، بحسب «دينا»، كان أول ما نطق به هو «هاتولى حقى»، وقالت: «لما كريم رفض يغشش الولدين، اختاروا إنهم يتنمروا على جسمه، ومش بس يتريقوا عليه بالكلام، لأ ده كانوا بيضربوه وهما بينادوه يا تخين، وكتّفوه من دراعاته الاتنين، وولد قلع الجزمة وبدأ يضربه بيها، وبعدين نزلوا فى بطنه ضرب، هل ده يرضى ربنا؟ المفروض نعمل إيه واحنا شايفين ابننا كان بيموت حرفياً؟!».
محمد «جانى ومجنى عليه»
وإذا كان «كريم» لم يتعافَ بعد من آثار التنمر النفسى والجسدى، بل ولا يزال يرقد فى الرعاية المركزة، حتى كتابة هذه السطور، حسبما أكدت والدته، إلا أن هناك ضحية أخرى للتنمر المدرسى قرر أن يكون الرد بنفس الطريقة ضد زملائه من خلال التنمر عليهم أيضاً.
«محمد»: كثرة تعرُّضى للتنمر من زملائى جعلتنى أتنمر عليهم حتى لا أظهر بمظهر الضعيف.. ووالدته: ألحقناه بجلسات تعديل سلوك
فالطفل محمد سليم (اسم مستعار)، 10 سنوات، الذى عانى من صعوبة فى الكلام، اعتبر أن التنمر على زملائه هو الطريقة الوحيدة لحماية نفسه من الأذى والألم النفسى الذى تعرَّض له فى المدرسة، مما جعل والدته تتوجه به إلى عيادات تخاطب وتعديل سلوك، وهو ما تقول عنه والدته: «بعد ما كان هو المجنى عليه، وكل شوية أروح المدرسة اتخانق علشانه، بقيت أروح علشان سلوكه الصعب، والسبب التنمر وعدم تفهُّم الأهالى ومواقفهم العدائية».
سمحت لنا والدة الطفل محمد سليم، وهى موظفة حكومية، 30 عاماً، بالحديث مع ابنها الذى انكمش فى الكرسى فى البداية خجلاً وخوفاً، ثم بدأ يتحرك فى الغرفة يميناً ويساراً، كأنه يهرب من عدو يطارده، وأخيراً أخذ يتحدث قائلاً: «أنا كنت بروح أشتكى لماما كتير.. فى الفسحة كان فيه شِلل أولاد بيلعبوا، أروح أقول لهم ألعب معاكم يرفضوا، وبعدين يقعدوا يتريقوا عليا ويقولوا لى يا فاشل، ولما أشتكى للمُدرسة تقول لهم عيب وخلاص، أو تخليهم يعتذروا ليا وبعدها بدقايق بعد ما المُدرسة تمشى يكملوا تريقة بكلام زى: يا عينى وحيد عبيط.. أهبل مش لاقى اللى يلعب معاه».
يضغط «محمد» يده بشدة وهو يحكى عما تعرَّض له، بينما تبدو على وجهه الطفولى مشاعر الارتباك والحيرة: «التريقة ما كانتش فى الفسحة بس، ده فى كل حتة، فى الفصل كمان، ولما كنت بشتكى لماما كانت تقول لى دول إخواتك.. واحترم أصحابك.. وساعات تروح للمدرسة تتخانق، لكن ده كله ماكانش بيعمل حاجة وبيوقف التريقة عليا علشان مش بعرف أتكلم بسرعة وكويس زيهم، فخلاص زى ما هما بيعملوا أنا هاعمل وبقيت أتنمر عليهم».
«كلهم بيضحكوا عليا»
نظر «محمد» إلى والدته سريعاً مُدركاً تغير ملامحها إلى الضيق، وقال: «عارف إن ماما هتزعل من كلامى، بس أنا حاولت والله أبقى كويس، بس كنت بكون منبوذ ولوحدى وساعات بحس إنى مش عايز أعيش، أو عايز أكسر أى حاجة، بسبب إن كلهم بيضحكوا عليا، ده حتى فى مرة لما كانوا بيضحكوا عليا فى الفصل، المُدرسة ضحكت معاهم.. أنا كان لازم آخد حقى وأحمى نفسى».
التقطت والدة الطفل طرف الحديث من ابنها، لتؤكد أن ابنها كان يعانى من عدم القدرة على الكلام بشكل متوازن، وعندما عرضته على طبيب قبل إلحاقه بالمدرسة، كان رد الطبيب أنها حالة طبية تختفى مع نمو الطفل، وأخبرها أن دخوله المدرسة سيساعده كثيراً، مضيفة: «الأطفال وأهاليهم مش بيرحموا، وكانوا بيتريقوا عليه فى كل حركة، وأنا كنت بقول له سامح واتعامل بهدوء زى ما اتربينا واحنا أطفال صغيرين نراعى بعض، لكن للأسف هو ماقدرش يستحمل، وفى فترة انهار نفسياً، وبعدها بدأت الشكاوى تيجى إنه بيتنمر وإن سلوكه بقى سيئ، وإنه بيرخِّم على كل أصحابه وبيتعامل معاهم بعدم احترام، وأنا ماسكتش وبحاول أنقذ طفلى، وحالياً بنروح لأخصائى نفسى علشان يقدر ينقذ ما يمكن إنقاذه من نفسيته وسلوكه».
«سميرة» لجأت لطبيب نفسى
ولا تقتصر تأثيرات التنمر على فترات الدراسة فقط، وإنما تمتد مع الإنسان خلال بقية رحلة حياته. هذا ما حدث مع سميرة عبدالسلام، 32 سنة، التى كانت حكاياتها مع التنمر أصعب وأعمق، فالتنمر الذى تعرَّضت له بشكل ممنهج ومستمر لمدة عامين كاملين خلال فترة الدراسة فى المرحلة الإعدادية لم يمر مرور الكرام، وظل عالقاً بقلبها لسنوات كالعلقم المر، وشكَّل تصورها عن نفسها بأنها «قليلة المقام ولا تستحق أى تقدير» حتى اضطرت مؤخراً للبحث عن علاج نفسى دفعت فيه مبالغ طائلة حتى تستعيد توازنها وقبولها لذاتها.
«سميرة»: زميلتى جعلتنى أضحوكة الفصل.. فأصابنى اكتئاب حاد وكره شديد للمدرسة وتوحُّد فى البيت
«كنت صغيرة، وفى الإعدادى، فى تانية إعدادى بالظبط، ومعانا زميلة بقدّرها جداً، لأنها كانت بتساعدنى وكانت معروفة وسط المدرسة إنها شاطرة ومؤدبة ومحبوبة من الكل، فأنا كنت بتكلم معاها دايماً وحريصة على القرب منها بكل وسيلة، خصوصاً إنها كانت جارتنا كمان»، كلمات تروى بها سميرة (اسم مستعار) متزوجة ولديها طفل، قصة تعرضها للتنمر، مُشيرة إلى أنه عقب موقف معين قررت زميلتها تلك أن تحولها لأضحوكة الفصل فى كل شىء، وهو ما تحكى عنه قائلة: «فى يوم قررت أعترض على رأى قالته، ومن وقتها قررت السخرية منى فى كل شىء: لبس، تسريحة شعر، نظارة، حُبى للقراءة، بل وتتفق مع زملائها على أن يضحكوا على كلامها، حتى لا أتمكن من الرد».
تدمع عين «سميرة» وهى تحكى ما تعرَّضت له وكأنها عادت تلك الفتاة الصغيرة صاحبة المريلة الكحلى، ولكن وقتها لم تكن قادرة على أن تبكى أمام زملائها الذين يسخرون منها، فكانت تدخل حمام المدرسة تبكى وحدها، ثم تعود أمامهم وكأنها لم تتأثر: «ماكنتش فاهمة أحكى لأهلى ازاى، وخفت أحكى لهم يقولوا إنى بكبّر المواضيع زى عادتهم، وماكنتش عارفة أحكى لأى حد فى المدرسة لأن زميلتى دى كانت البنوتة الشاطرة اللى كل المدرسين بيحبوها، فمحدش هيصدقنى، والنتيجة كانت اكتئاب حاد، وكره شديد للمدرسة وهروب من الحصص، وتوحد فى البيت، ماكنتش بخرج من أوضتى بعد ما فقدت الثقة فى نفسى».
ورغم مرور 17 عاماً على التنمر الذى تعرَّضت له «سميرة» إلا أن آثاره بقيت كآثار جرح غائر، لم ينجح الزمن ومحاولة النسيان فى علاجه، مما جعلها تلجأ أخيراً لطلب علاج نفسى: «لجأت لجلسات نفسية تعتمد على العلاج الجدلى السلوكى، واكتشفت من خلال الحديث مع المعالِجة النفسية أن هذا التنمر تسبَّب فى تدمير حياتى، لأنه بسببه ظللت لسنوات لا أتعامل مع نفسى باحترام، وأرى أننى غير جديرة بأى تقدير، وخسرت بسببه وظائف وصداقات، بل ورَّثته كذلك لابنى الصغير، وحالياً أتعافى من هذا الألم بهدوء، وأتمنى من الجميع، خصوصاً الآباء والأمهات، أن يكونوا أكثر حرصاً على نفسية أبنائهم ويدافعوا عنهم بقوة ضد أى تنمر».
الدراسات تؤكد انتشاره
الشهادات وحدها لا تكفى فى إبراز خطر التنمر وحدود انتشاره، فالدراسات الأكاديمية أيضاً لها أهمية كبيرة، ومنها دراسة حديثة لمجموعة من الباحثين المصريين بعنوان «انتشار التنمر والعوامل المؤثرة فيه بين تلاميذ المدارس المصريين»، نُشرت فى 2024 فى مجلة Journal of Orthodontics، وكشفت أن 61.7% من الطلاب المشاركين فى الدراسة، وعددهم 324 طالباً وطالبة، تتراوح أعمارهم بين 11 و14 عاماً، بمدارس فى القاهرة، تعرَّضوا للتنمر.
وكشفت الدراسة كذلك أن الأطفال المنتمين إلى الأسر ذات المستوى الاجتماعى والاقتصادى المنخفض كانوا الأكثر عُرضة للتنمر، بينما ارتبط التعرُّض له بانخفاض تقدير الذات وتراجع جودة الحياة لدى الضحايا، فضلاً عن زيادة احتمالات استهداف الأطفال الذين يعانون من بعض مشكلات الأسنان الظاهرة، وهو ما يؤكد أن التنمر يتأثر أيضاً بعوامل اجتماعية ونفسية ومظهرية تستدعى تدخلاً تربوياً وأسرياً للحد من انتشاره.
دراسة أخرى بعنوان «العوامل الأسرية والمجتمعية المرتبطة بالتنمر المدرسى بين المراهقين فى القاهرة الكبرى»، نُشرت فى المجلة الأفريقية للعمل الاجتماعى (African Journal of Social Work) عام 2024 أيضاً، وشملت عينة من 500 طالب وطالبة من المدارس الحكومية بالقاهرة الكبرى، كشفت أن 17.4% من العينة كانوا متنمرين، بينما كان 13.2% ضحايا للتنمر، و69.4% كانوا من فئة (المتنمرين - الضحايا) أى يمارسون التنمر ويتعرَّضون له.
وباعتبار مصر أساساً بلداً زراعياً، فقد اهتمت دراسة أخرى بمعرفة حجم التنمر فى ريف مصر. الدراسة التى جاءت بعنوان «انتشار وعوامل الارتباط بالتنمر والاستهداف بين طلاب المدارس فى الريف المصرى» ونُشرت فى المجلة المصرية للصحة العامة (Journal of the Egyptian Public Health Association) عام 2019، كشفت أن التنمر فى المدارس الريفية المصرية مرتفع بشكل ملحوظ، ولا يرتبط فقط بالمدرسة، بل يمتد إلى الأسرة والشارع والبيئة الاجتماعية، وأوضحت أن 77.8% من الطلاب تعرَّضوا للتنمر أو مارسوا التنمر بشكل ما، و9.5% مارسوا التنمر فقط، و10.5% كانوا ضحايا للتنمر، وكان 57.8% من فئة «المتنمر- الضحية» فى نفس الوقت.
الأسرة.. «المتهم الأول»
«الأسرة هى المتهم الأول فى انتشار التنمر»، حسبما يعتقد أحمد محمود، الذى يعمل أخصائياً اجتماعياً بإحدى مدارس القليوبية، والذى اعتبر أن «غياب توجيه الآباء والأمهات لأبنائهم، وعدم اهتمامهم بغرس السلوكيات المحمودة فى نفوسهم باستخدام الوازع الدينى والأخلاقى، هو السبب وراء انتشار التنمر بهذه الكثافة والأشكال المرعبة، قائلاً: «للأسف أخجل من القول أن كثيراً من الآباء والأمهات الآن فى حاجة للتربية أكثر من أبنائهم، أو فقدوا القدرة على التربية بسبب انشغالهم بتوفير لقمة العيش لأبنائهم، والمقابل هو غض الطرف عن تعليم هؤلاء الأبناء أساسيات التواصل، واحترام من حولهم».
رغم أن «أحمد» تخرَّج فى كلية تربية، إلا أنه أصر على الحصول أيضاً على دبلومة «تربوى» ليستطيع التعامل مع التلاميذ باحترافية أكبر وفهم أعمق لنفوسهم، وهو ما جعله يقول بثقة: «جيل الألفينات وأبنائه هم العمود الأساسى لتغير شكل التنمر لهذا الشكل القاسى الذى يظهر حالياً فى تعامل التلاميذ مع بعضهم البعض، فأساس التربية عندهم، أو عند نسبة كبيرة منهم حتى لا نظلمهم، هو توفير أُسس الحياة من المأكل والمشرب، دون توجيه سلوك الطفل نحو الطريق الصحيح، وتقويمه لو أخطأ، والنتيجة أطفال غير أسوياء نفسياً يغيب عنهم معنى القدوة الحسنة».
التربية قبل التعليم
وإذا كانت «الأسرة هى المتهم الأول، فإن المدرسة هى المتهم الثانى»، حسبما يذهب «أحمد»، الذى يعمل فى «التربية والتعليم» منذ 17 سنة، والسبب فى ذلك هو «إهمال بعض المدارس، سواء كانت خاصة أو حكومية، الشعار الذى تتبناه الوزارة كدستور لها، وهو التربية قبل التعليم، والتركيز الأكبر على التعليم فقط، على الرغم من أن الطالب عندما يخرج من المدرسة ويواجه المجتمع سيكون مُحتاجاً أيضاً للتربية التى تلقاها فى المدرسة وليس التعليم فقط»، وأوضح «أحمد»: «لا أتكلم بشكل عام، فهناك مدارس متميزة ورائعة، ولكن فى المقابل هناك جزء لا يستهان به، يعانى قصوراً شديداً».
وأنهى «أحمد» كلامه، مشيراً إلى أن المنظومة كلها بحاجة إلى مُراجعة، بداية من الأسرة مروراً بالمدرسة وصولاً للـمُدرس، قائلاً: «جيل سلوكه ليس جيداً لا يحصل على توجيه أو احتواء أو تربية أو تقويم أو تعديل من أى مصدر، ما الذى ننتظره منه؟، بالطبع سيتنمر على زملائه، فلم يوجهه أحد بأن ذلك خطأ أو عيب، ولم يخبره أحد أن ذلك يتسبب فى أذى نفسى لصديقه، وأن جسد صديقه الذى يتخذه مادة للسخرية هو خلق الله لا يجوز السخرية منه، وأن الكمال لله وحده».
أخطاء تربوية قاتلة
وتتفق «لمياء فايد»، مُدرسة للغة الإنجليزية فى إحدى المدارس الخاصة، مع وجهة النظر التى ترى أن الأسباب الرئيسية وراء التنمر تقع على عاتق الأسرة أولاً، قائلة: «المنزل هو الأساس فى صنع طفل متنمر، والمدرسة تأثيرها أقل مقارنة به، وهناك أهالى مُصابون بمشكلات نفسية، تظهر فى تربيتهم لأبنائهم وتنتقل إليهم، فمثلاً عندما يقوم أب أو أم بتوجيه كلام جارح للأبناء يتضمن إهانة أو تقليلاً من شأنهم بحجة تربيتهم أو مقارنتهم بغيرهم، فهذا يتسبب فى غيرة وأحياناً حقد، والمحصلة النهائية صنع طفل متنمر».
وأضافت موضحة: «الأخطاء التربوية للآباء الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاماً، تحتاج للانتباه وإعادة التصويب، فمثلاً لاحظت ولاسيما فى آخر 5 سنوات، أن بعض الآباء والأمهات يعلمون أبناءهم مبدأ خطيراً وهو «اللى ضربك اضربه»، دون تعليم الطفل قيماً مثل التسامح أو أهمية الالتزام بالدين وتعاليمه، وأهمية احترام السلطة واللجوء لها لمساعدته، وبالتالى إيقاف ظاهرة انتشار التنمر».
وانطلاقاً مما سبق، ترى «لمياء» أن التصدى لانتشار ظاهرة التنمر يبدأ من نقطتين رئيسيتين هما: عمل دورات تدريبية إلزامية للآباء والأمهات عن مفهوم التربية ومعناه وكيفية ممارسته، واستحداث مواد دراسية للأخلاق والسلوكيات، بشرط أن يبدأ تدريسها للأطفال فى أولى سنوات الدراسة، مع اختبارات عملية فى الفصول للتأكد من أن الطفل استوعبها ويمكنه تطبيقها.
جيل «بين نارين»
لكن أياً ما كانت التفسيرات حول أسباب التنمر، فإنه لا خلاف على أن للمدرسة باعتبارها مؤسسة تربوية دوراً مهماً فى مواجهته. هذا ما تُدركه جيداً السيدة مديحة مكرم، مدير إحدى المدارس الخاصة بمحافظة الجيزة، التى عبرت عن حزنها الشديد لما آل إليه سلوك كثير من الطلبة فى الآونة الأخيرة من عدم انضباط واحترام للمنظومة المدرسية ككل، قائلة: «منذ فترة، خصوصاً فى آخر 5 سنوات، لاحظت تدهوراً فى سلوك كثير من الطلبة، وهذا التدهور يظهر بشكل واضح فى حوادث التنمر بين الطلبة، وأحياناً من الطلبة تجاه المدرسين، وقد حاولت التصدى له بكل شكل ممكن من خلال دورى كمديرة للمدرسة».
خالة أحد الضحايا: زملاؤه تنمروا عليه لأنه رفض «يغششهم».. وعندما واجه تنمرهم بالرفض والشكوى انتظروه خارج المدرسة وضربوه
تُشفق «مديحة»، اسم مستعار، 60 عاماً، على الجيل الحالى الذى تعتبره بائساً مقارنة بالأجيال السابقة، فهو بين نارين، نار انتشار التكنولوجيا الكثيف التى تحول استخدامها إلى هوس، وتسبب فى تراجع الاهتمام بالدراسة فى كل أنحاء العالم وليس مصر وحدها، ونار الإهمال الأسرى والمجتمعى وغياب القدوة، وهى تقول: «خبرتى التى تتخطى 40 عاماً، ترى أن هذا الجيل يُعانى بشدة أسرياً بسبب انشغال الآباء والأمهات فى العمل وعدم قدرتهم على فهم نفسية أبنائهم وغرس السلوكيات المحمودة فيهم، ومجتمعياً بسبب غياب مفهوم القدوة، وانتشار الإعلام الترفيهى الذى لا يقدم أى محتوى يبنى عقولهم، وكذلك التكنولوجيا التى جعلته يعيش فى قوقعة منفصلة عن الواقع، وصنعت حاجزاً بينه وبين تلقى التربية أو التعليم».
روشتة علاج التنمر
لم تقف «مديحة» ساكنة أمام ما تراه من تدهور فى سلوكيات الطلبة فى مدرستها، وحوادث تنمر وصفتها بأنها «مرعبة»، ومنها مثلاً عندما قامت تلميذتان فى المدرسة بالسخرية من تلميذة تفوقت عليهما دراسياً، أمام المدرسة كلها، فى فترة «الـفُسحة» المدرسية، وإلقاء أدواتها المدرسية من الطابق الثالث، لتصاب التلميذة التى تم التنمر عليها بحالة من الانهيار، إلى جانب حوادث الضرب التى تحدث بين الأولاد وأساسها التنمر.
مديرة مدرسة خاصة: تدهور سلوك كثير من الطلبة آخر 5 سنوات ظهر واضحاً فى حوادث التنمر.. والجيل الحالى مُحاصر بين «هوس التكنولوجيا الكثيف» و«الإهمال الأسرى وغياب القدوة»
واجهت مديرة المدرسة مثل هذه الوقائع بخطوات حاسمة، تقول عنها: «بالطبع وضعت عقوبات مُشددة على حوادث التنمر، وفعّلت لائحة وزارة التربية والتعليم التى تقضى بفصل الطالب بعد مرة أو اثنتين من تنمره على زملائه، لكن كما استخدمت الوسائل العقابية، استخدمت أيضاً الوسائل العلاجية، لأن التعليم فى النهاية هدفه إخراج طالب مُتزن يحترم بيته، وعائلته، ومجتمعه».
كانت أول خطوة فى روشتة علاج التنمر التى طبقتها «مديحة» فى مدرستها، حسبما توضح، هى: «تخصيص طبيبة نفسية وعدم الاكتفاء بأخصائى نفسى للتعامل مع الطلبة، إلى جانب التواصل أولاً بأول مع أولياء الأمور الذين يتسم أبناؤهم بسلوك غير مناسب للبحث فى طرق علاجه، وتخصيص محاضرات إرشادية للطلبة فى المدرسة خلال اليوم الدراسى، وأحياناً فى الإجازات الصيفية».
«سميرة»: زميلتى جعلتنى أضحوكة الفصل.. فأصابنى اكتئاب حاد وكره شديد للمدرسة وتوحُّد فى البيت
وتضيف «سميرة» لـ«الوطن»: «أتذكر فى إحدى المرات أننى حولت فترة الفسحة المدرسية للحديث مع الطلبة جميعاً، وبدأتها بخطبة أحدثهم فيها عن ضرورة حرصهم على بناء مستقبلهم بدلاً من تضييع أوقاتهم فى التنمر، فالتنمر داء، علينا كلنا التكاتف لمواجهته وعدم الاستهانة به».
استراتيجية «بر الأمان»
وجود حصص دراسية تركز على القيم الأخلاقية هو ما دعت إليه أيضاً الدكتورة هالة يسرى، أستاذ علم الاجتماع، خلال حديثها لـ«الوطن» عن كيفية مواجهة ظاهرة التنمر المدرسى، «فالأطفال مرآة المجتمع، وانتشار التنمر بهذا الشكل القاسى معناه غياب مفهوم الأخلاق وأهمية احترام الآخر وكثير من القيم الأخلاقية المتعارف عليها، لذا فالحلول الفردية لمشكلة التنمر المدرسى لن تكون ذات تأثير كبير، والحلول يجب أن تكون على مستوى المؤسسة التعليمية ككل».
أخصائى اجتماعى: «الأسرة» المتهم الأول وكثير من الآباء يُهملون توجيه سلوك أبنائهم ويكتفون بالاحتياجات المادية.. وبعض المدارس أهملت «التربية قبل التعليم»
«تعزيز دور الأخصائية النفسية والاجتماعية أيضاً من الحلول المهمة فى مواجهة الظاهرة»، بحسب الدكتورة «هالة»، والأخصائية لا يجب أن يكون دورها مقتصراً فقط على حلول مشكلات التنمر بين التلاميذ، بل على العكس يجب أن يكون دورها وقائياً، قائلة: «من المهم للأخصائية النفسية أو الاجتماعية أن تُراجع حال التلاميذ فى الفصول أولاً بأول، وتقدم لهم النصائح التربوية والسلوكية خلال وقت مخصص لذلك فى اليوم الدراسى، حتى لو كان 10 دقائق فقط، فهذه الدقائق قد تفرق جداً فى سلوكيات الطلبة ونفسياتهم».
استراتيجية علاج الظاهرة تشمل استحداث حصص دراسية للقيم الأخلاقية ومحاضرات للآباء والأمهات
ولن يكتمل نجاح «استراتيجية بر الأمان» لمواجهة التنمر كما سمتها الدكتورة «هالة»، إلا من خلال محاضرات اجتماعية ونفسية للآباء والأمهات فى كل مدرسة، بخصوص ظاهرة التنمر وكيفية التعامل معها بشكل عام، وأهم المشكلات السلوكية التى يمر بها الأبناء بشكل خاص، سواء كان الأبناء متنمرين أو يتم التنمر عليهم.
وحذرت «هالة» مما وصفته بـ«السبب الخفى وراء التنمر»، قائلة: «من المعروف أن الأسرة هى الجذر الأول الذى يدفع الطفل إلى التنمر، سواء كان يقلد الأب أو الأم، ولكن فى بعض الحالات نجد أن الأب والأم ليسا متنمرين بل وضده قلباً وقالباً، بينما الابن أو الابنة يمارسان التنمر بعنف، هنا يظهر السبب الخفى وراء التنمر، وهو أفلام الكارتون الأجنبية المليئة بمظاهر العنف والسخرية والتنمر على الغير، والشاشات الإلكترونية التى تخلق انفعالات عصبية لدى الأطفال بل والكبار، وأحد مظاهرها يكون التنمر، وللأسف هنا الحل الوحيد إيقاف الشاشات وأفلام الكارتون وتقنين استخدامها».
انهيار قيمى
«للأسف التنمر المدرسى بهذا الشكل القاسى، الذى نراه الآن، لن يقل بل سيزداد»، بهذه الكلمات حاول الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى، وصف واقع التنمر المدرسى، معتبراً أن المجتمع وصل لمرحلة تُسمى «المسخ الثقافى» وهى تعنى انتشار الازدواجية الدينية، بالإضافة لوجود انهيار قيمى، وأخلاقى، وسلوكى، قائلاً: «للأسف الآن لا يتوافر أمام الطفل نموذج مثل أعلى وقدوة يُحتذى به، لذلك نجد أطفال اليوم لا يحترمون مُدرساً، أو زملاءهم، ويكون ذلك من خلال التنمر».
فآباء وأمهات اليوم، بحسب «فرويز»، يهتمون أكثر بالتدين الشكلى أو الظاهرى، لكن جوهر الدين نفسه من قيم وأخلاقيات وسلوكيات كلها غير موجودة: «كثير من الآباء والأمهات لا يُقدمون لأبنائهم أى قدوة، بل على العكس قد يهتمون بالتدين الشكلى، لكن مثلاً لا يخجلون من ممارسة الكذب أو التنمر أمام أبنائهم، وبالتالى نجد الطفل يعتبر الغش والتنمر والضرب حقاً له، بل إذا اعترض أحد على سلوكه من المدرسين أو زملائه يشعر بالظلم، ويجد والدته تدافع عن سلوكه، فنحن صرنا نعيش فى مجتمع يرى السلوكيات الخاطئة عادية بل وصحيحة، ومن يعترض هو المخطئ».
استعادة دور الأسرة
وأشار «فرويز» إلى أن التنمر المدرسى أزمة تكشف انهيار الوعى الثقافى وغياب معايير تقييم «الصواب والخطأ» فى المجتمع، وأطفال هذا المجتمع هم تجسيد لتلك الأزمة وذلك الانهيار، قائلاً: «زمان قالوا التعليم فى الصغر كالنقش على الحجر، فالأطفال وحتى الطلبة فى فترة المراهقة هم انعكاس لبيئاتهم التى تفتقد معانى وقيماً أخلاقية مهمة لتطور ونجاح أى مجتمع، وهؤلاء الأطفال ليسوا نبتاً شيطانياً كبروا متنمرين فجأة، بل تعلموا ذلك من البيت، والنادى، والأصدقاء، والأقارب، والإعلام».
وما يراه الأطفال، بحسب «فرويز»، من مشاجرات بين الآباء والأمهات، وغياب تهذيبهم بالقيم والأخلاق، يخلق بداخلهم طاقة سلبية يكون متنفسها هو التنمر على زملائهم بكل الطرق، كذلك فإن طول فترات استخدام الشاشات الإلكترونية سواء تلفاز أو تليفون، يصنع عند الأطفال عصبية غير مبررة، وقلة تركيز وانتباه، وصعوبة تعلم، فهنا تكون النتيجة المنطقية هى انتشار التنمر فى المدارس.
ويرى «فرويز» أن الحل يكمن فى: «استعادة الدور التربوى للأسرة المصرية، أى إعادة دور الأب والأم لمكانهما الطبيعى من حيث التركيز على تربية الأبناء على القيم والأخلاق، وبالطبع من المهم نشر الوعى لدى الناس بمفهوم التنمر المدرسى وضرورة التكاتف لمقاومته والقضاء عليه».
العلاج بالتربية الحديثة
«مصطلح التنمر المدرسى خاطئ، فالتنمر شىء يكتسبه الأطفال قبل الالتحاق بالمدرسة بنسبة 90%، والنسبة الباقية داخل المدرسة» بهذه الكلمات انتقد الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوى وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس، وصف التنمر بأنه «مدرسى»، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة، من وجهة نظره، يسهم فيها قدر كبير من العوامل الاجتماعية، بداية من قبول التنمر داخل الأسرة، أو حتى على مستوى المجتمع مثل الأقارب والأصدقاء، وقال: «الغريب أن الكثير من الكبار يباركون هذا التنمر بالضحك تارة، وإقراره بالسكوت عليه تارة أخرى، دون توجيه وإرشاد أو توبيخ للحد منه فى بداياته فى بيئة الطفل، ثم يعود هؤلاء الآباء والأمهات ويشكون من أن أبناءهم متنمرون».
الإعلام والفن أيضاً من الوسائل التى تساهم بشكل غير مباشر فى تعليم النشء التنمر الذى يمارسونه فى المدارس، بحسب الدكتور حسن، وذلك من خلال التعرض للمسرحيات والتمثيليات والأغانى، فهناك أشكال للفن تُغذى التنمر من خلال الألفاظ والعبارات المنحرفة المنتشرة بها، ويظهر ذلك بشكل أوضح فى الأغانى الهابطة وأفلام المهرجانات، قائلاً: «التنمر لدى النشء هو سلوك لفظى وغير لفظى، والسلوك اللفظى يتمثل فى التنابز بالألقاب والسخرية والاستهزاء، سواء من العيوب الجسدية أو الأخلاقية، ويصل أحياناً إلى شيوع التعبيرات الخادشة للحياء، أما غير اللفظى فهناك منه النفسى ومنه الجسدى».
وبناءً على ما سبق، يعتقد «شحاتة» أن «المدرسة ليست العامل الأول فى تكوين ما يسمى التنمر المدرسى بل فقط هى المكان الذى يمارس به الأولاد التنمر، خاصة فى المدارس غير الحكومية، فالتلميذ يلتحق بالمدرسة ولديه رصيد كبير من الألفاظ والعبارات والسلوك غير السوى، خاصة إذا كان يميل إلى التنمر».
وأشار «حسن» إلى أن «المسئولية الحقيقية فى مواجهة هذا النوع من التنمر ستبدأ من الأسرة ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، والنوادى، وأخيراً المدرسة»، قائلاً: «يجب تقويم هذا السلوك بالكثير من الطرق، سواء التوجيه والإرشاد أو العقاب أو استخدام أساليب التربية الحديثة المتمثلة فى النقاش، والحوار، والقصص التعليمية، وازدراء ومنع استخدام الكلمات الشاذة، والأهم هو الانضباط المنزلى والمجتمعى والمدرسى على حد سواء، فكل ذلك سيعمل على تقليل نسب التنمر فى المدارس».
المواجهة بالقانون
«نواجه التنمر فى المدارس بالقانون والتربية»، بهذه الكلمات بدأ «شادى زلطة»، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، حديثه لـ«الوطن»، مؤكداً أنه لا يوجد ما يُسمى «التنمر المدرسى» كمصطلح داخل المدارس المصرية، ولكن التنمر يعد مخالفة من المخالفات الموجودة داخل المدارس، والتى أقرت الوزارة عقوبات لها.
المتحدث باسم «التربية والتعليم»: نواجه «التنمر» فى المدارس بالقانون والتربية.. والوزارة أقرت مجموعة عقوبات متدرجة له
وشرح «شادى» شكل العقوبة التى قد يواجهها الطالب إذا ارتكب مخالفة التنمر، قائلاً: «المدارس تسير وفقاً للائحة الانضباط المدرسى التى أصدرتها الوزارة، واللائحة تحدد الحقوق والواجبات الخاصة بكل أطراف العملية التعليمية سواء المدرسون، أو الطلاب، أو حتى إدارة المدرسة نفسها، كما تتضمن اللائحة مجموعة من العقوبات على المخالفات التى يقوم بها التلاميذ أو حتى المدرسون، وتتميز بالتدرج فى تلك العقوبات، وتبدأ من لفت النظر وتصل إلى الفصل أحياناً من المدرسة لو كانت المخالفة التى ارتكبها الطالب كبيرة، والتنمر من ضمن المخالفات التى حددت اللائحة مجموعة من العقوبات المتدرجة لها حتى يتم التصدى لها ومنعها من الانتشار فى المدارس».
ندوات توعية للآباء
ولا تتوقف مواجهة التنمر من جانب وزارة التربية والتعليم على الناحية القانونية فقط، بحسب المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، حيث «هناك أيضاً الجانب التربوى وهو الأهم» من وجهة نظره، «فالوزارة تحرص على توفير أخصائية نفسية داخل كل مدرسة، سواء كانت حكومية أو خاصة، تتولى إرشاد الطلاب تربوياً، وتقويم سلوكهم أولاً بأول، كذلك يتم تنظيم ندوات توعية على مستوى الإدارات التعليمية سواء للطلبة أو حتى أولياء الأمور».
وأضاف: «من خلال هذه الندوات نعمل على تعريف الطلاب وأولياء الأمور بمفهوم التنمر، وأهمية التصدى له، وكيف يُعلم الآباء أبناءهم أهمية مواجهة التنمر والمتنمرين، وكيفية مساعدة الطالب الذى يتعرض للتنمر، وأهمية تقديم الدعم النفسى للطالب الذى يتعرض للتنمر، ومساعدته على عدم التأثر به ومواجهته، وأهم مخاطر التنمر، والتداعيات الخاصة به على الطلاب ليس فقط فى المدارس بل أيضاً فى البيت، وبهذا يمكن الحد من تلك المخالفة المدرسية التى تُشكل خطراً على نفسية الطالب والبيئة المدرسية».
التنمر المدرسى
هو «أفعال سلبية متعمدة من جانب تلميذ أو أكثر لإلحاق الأذى بتلميذ آخر، تتم بصورة متكررة وطوال الوقت، ويمكن أن تكون هذه الأفعال السلبية بالكلمات مثل التهديد، والتوبيخ، والإغاظة والشتائم، كما يمكن أن تكون بالاحتكاك الجسدى كالضرب والدفع والركل، أو حتى دون استخدام الكلمات أو التعرض الجسدى مثل التكشير بالوجه أو الإشارات غير اللائقة، بقصد وتعمد عزله من المجموعة أو رفض الاستجابة لرغبته»، بحسب بيان سابق لوزارة التربية والتعليم.
«سميرة»: زميلتى جعلتنى أضحوكة الفصل.. فأصابنى اكتئاب حاد وكره شديد للمدرسة وتوحُّد فى البيت
أشكاله
القانون يُجرّم التنمر
المادة 309 مكرراً/ب من قانون العقوبات تُعرّف التنمر بأنه: «يعد تنمراً كل قول أو استعراض قوة أو سيطرة للجانى، أو استغلال ضعف للمجنى عليه، أو لحالة يعتقد الجانى أنها تسىء للمجنى عليه، كالجنس أو العرق أو الدين أو الأوصاف البدنية، أو الحالة الصحية أو العقلية أو المستوى الاجتماعى، بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية، أو الحط من شأنه أو إقصائه عن محيطه الاجتماعى».
وتنص المادة السابقة على معاقبة المتنمر «بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، ولا تزيد على خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تزيد على مائتى ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين».
تم إضافة مادة جديدة برقم 50 مكرراً لقانون حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة لعام 2018، تنص على معاقبة المتنمر على الشخص من ذوى الإعاقة بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تزيد على 100 ألف جنيه، أو بإحدى بهاتين العقوبتين.


