علاء عابد يكتب: 30 يونيو.. هيبة الدولة وسيادة القانون
علاء عابد يكتب: 30 يونيو.. هيبة الدولة وسيادة القانون
هيبة الدولة من هيبة القانون، وما يضعف هيبة القوانين ويهز القناعة بالتزام قواعدها هو مجموعة من العوامل المرتبطة بالسلوكيات اليومية للأفراد، ومصر بفضل قيادتها الرشيدة تفرض احترام المساواة بين الجميع في ساحات التقاضي وفي الحياة اليومية. والدولة التي واجهت الإرهاب في 30 يونيو، وأرست الأمن والاستقرار وسيادة القانون وفرض هيبة الدولة، هي نفس الدولة التي تفرض هيبة الدولة بسلطان القانون لكل من تسول له نفسه أنه أكبر من القانون أو يحاول ترويع أو إرهاب المواطنين.
وكل دولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية وحماية حقوق مواطنيها، تظل فيها هيبة الدولة وسيادة القانون هما الركيزة الأساسية التي يقوم عليها بنيان الوطن، فأي مجتمع لا ينعم بالأمن أو يحقق التقدم إذا سمح لأفراد أو جماعات أن يتوهموا أنهم فوق القانون أو خارج نطاق المحاسبة.
مصر بتاريخها العريق ومؤسساتها الراسخة أثبتت عبر الزمان أنها دولة قانون ومؤسسات، وأنها قادرة على حماية أمنها القومي وصون استقرارها، والتصدي لكل من يحاول العبث بمقدراتها أو فرض إرادته خارج إطار الشرعية والقانون.
ومن يظن أنه أقوى من الدولة أو أن نفوذه أو مكانته أو ما يمتلكه من قوة يمكن أن يضعه فوق القانون فهو واهم، لأن الدولة التي واجهت الإرهاب المتطرف وحافظت على وحدتها واستقرارها، وحماية حدودها لن تعجز عن مواجهة أي تجاوز أو خروج على القانون مهما كان مصدره أو حجمه.
لا أحد فوق القانون
لقد حرص المشرع على وضع نصوص قانونية حاسمة لمواجهة كل صور البلطجة واستعراض القوة وفرض السطوة وترويع المواطنين، وأبرزها أحكام المادة 375 مكرر والمادة 375 مكرر (أ) من قانون العقوبات، والتي تجرم استعراض القوة والتلويح بالعنف والتهديد والترويع، وفرض النفوذ أو السيطرة على الغير أو تعطيل تنفيذ القوانين أو الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة.
وقد جاءت هذه النصوص القانونية لتؤكد أن حماية المواطنين وفرض النظام العام مسؤولية حصرية لمؤسسات الدولة، وأن العقوبات المقررة لهذه الجرائم تتدرج بحسب جسامة الفعل والظروف المحيطة به، وقد تصل في بعض الحالات المشددة إلى عقوبات جنائية رادعة، بما يعكس حرص المشرع على حماية المجتمع من مظاهر الفوضى والعنف والهيمنة غير المشروعة.
وإنني بصفتي رجل قانون منذ أربعين عاماً أعلم يقيناً أن قيمة الدولة تقاس بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يخضع الجميع لأحكام القانون دون تفرقة بين قوي وضعيف أو صاحب نفوذ ومواطن عادي.
ومن هذا المنطلق أوجه تحية تقدير واحترام إلى وزارة الداخلية ورجالها، الذين يثبتون يوماً بعد يوم أن الدولة قادرة على فرض سيادة القانون ومواجهة كل من يحاول تجاوز حدوده أو فرض سطوته على المواطنين، وأن تطبيق القانون على الجميع هو الضمانة الحقيقية لترسيخ هيبة الدولة وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتها.
تحية لرجال الأمن والقوات المسلحة
التحية كل التحية إلى رجال الأمن الذين يواصلون عملهم باحترافية وكفاءة لرصد التجاوزات ومتابعة كل محاولة للمساس بأمن المجتمع أو خرق القانون، وهو ما يؤكد أن مؤسسات الدولة تعمل في إطار منظومة متكاملة هدفها حماية الوطن وصون استقراره وأمن مواطنيه.
ولا يمكنني الحديث عن قوة الدولة وجهاز الشرطة دون توجيه التحية والتقدير إلى قواتنا المسلحة الباسلة، درع الوطن وسيفه والحصن المنيع الذي يحمي حدود البلاد، ويحافظ على أمنها واستقرارها في مواجهة مختلف التهديدات والتحديات.
إن احترام القانون ليس مجرد التزام قانوني بل هو واجب وطني وأخلاقي يقع على عاتق الجميع، فالدول لا تبنى بالفوضى ولا بفرض النفوذ، وإنما تبنى بالمؤسسات القوية والقانون النافذ على الجميع. وستظل رسالة الدولة واضحة وحاسمة تحت قيادة الرئيس القائد عبد الفتاح السيسي، بأنه لا أحد فوق الدولة ولا أحد فوق القانون ولا مكان لمن يتوهم أن بإمكانه فرض إرادته خارج إطار الشرعية، فمصر دولة المؤسسات وسيادة القانون القادرة على حماية مواطنيها والحفاظ على هيبتها وإنفاذ العدالة على الجميع دون استثناء، فاللاعقاب والانتقائية في تطبيق القانون لم يعد لهما مكان بعد ثورة 30 يونيو. فالدول التي نجحت في ترسيخ هيبتها، هي تلك التي جعلت من القانون خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، ومن المساواة قاعدة لا تمس، وهنا فقط، تتحول هيبة الدولة من مفهوم نظري إلى واقع ملموس، يشعر به المواطن.
روح 30 يونيو
أهم إنجازات ثورة 30 يونيو بالإضافة للقضاء على حكم الجماعة الإرهابية، تتمثل في الحفاظ على بقاء الدولة المصرية ومؤسساتها الوطنية وفرض هيبة الدولة وسيادة القانون في لحظة كانت البلاد تواجه فيها أخطر موجات الإرهاب والاستقطاب والانقسام، ولم تعد ٣٠ يونيو مجرد ذكرى سياسية، بل أصبحت مناسبة وطنية رسمية.
وخلال السنوات التالية شهدت مصر مواجهة شرسة مع التنظيمات الإرهابية، التي تصاعد نشاطها في سيناء ومناطق أخرى، وخاضت القوات المسلحة والشرطة معارك طويلة ضد الجماعات الإرهابية المتطرفة، انتهت إلى تقليص قدراتها بصورة كبيرة واستعادة السيطرة الأمنية على معظم المناطق، التي كانت تشهد نشاطاً إرهابياً وفرض هيبة الدولة وسيادة القانون في كل ربوع مصر.
مواجهة الإرهاب وبناء الدولة
في نفس الوقت الذي تتصدى فيه الدولة للإرهاب القذر، تطلق سلسلة من المشروعات القومية الكبرى في الطرق والكباري والطاقة والإسكان والمدن الجديدة، فضلاً عن تطوير شبكة النقل وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وهي مشروعات تعتبر ترجمة عملية لشعار بناء مصر الجديدة.
بعد مرور 13 عاماً على الثورة، لا تزال الجماهير المصرية تروي كيف استطاعت إسقاط حكم الجماعة الإرهابية، ومنع تحويل الدولة إلى ساحة صراع مفتوح، وأنها فتحت الطريق أمام مرحلة جديدة عنوانها استعادة مؤسسات الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار. لقد كانت 30 يونيو لحظة انتصار للإرادة الشعبية على مشروع الجماعة، وإعلان أن الدولة الوطنية أكبر من أي تنظيم، وأن مصر ستبقى دولة لكل أبنائها لا حكراً على فصيل أو جماعة.
مواجهة مشروع الجماعة لمحو الهوية
ستظل ثورة 30 يونيو مناسبة لاستحضار ذلك المشهد التاريخي الذي غير مسار البلاد وأعاد رسم مستقبلها، وأسقط مشروع الجماعة الإرهابية الذي كان تهديداً لهوية الدولة ووحدتها واستقرارها، ودرساً لكل من تسول له نفسه العمل على فرقة الشعب المصري أو الوقيعة بينه وبين مؤسساته، وصدق الله العظيم: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ﴾.