الإخوان في قبضة الأمريكان
بينما انشغلت الأنظار بالحرب في الشرق الأوسط، وبالتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، مرّ قرار واشنطن توسيع العقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين بهدوء لافت. غير أنّ أهمية القرار لا تكمن في عدد الأسماء التي شملتها العقوبات، وإنّما في الرسالة السياسية التي يحملها. فالولايات المتحدة لم تستيقظ فجأة لتكتشف أنّ الجماعة تمتلك شبكات مالية عابرة للحدود، أو أنّها أتقنت العمل من خلف واجهات خيرية ودعوية، فهذه حقائق كانت مطروحة منذ سنوات. الجديد هو أنّ البيئة الاستراتيجية تغيرت، ومعها تغيرت طريقة النظر إلى الجماعة ووظيفتها في حسابات القوى الكبرى.
وكانت وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكيتان قد أعلنتا الخميس الماضي، إدراج القيادي الاخواني البارز محمود الإبياري، المقيم في بريطانيا والذي يشغل منصب الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، على قوائم الإرهاب الأمريكية، إلى جانب ثلاثة أفراد وثلاثة كيانات مرتبطة بشبكات تمويل الجماعة. وأوضحت واشنطن أنّ الكيانات المشمولة بالإجراءات استخدمت شركات وواجهات تجارية وجمعيات خيرية وشبكات مالية سرية لإخفاء حركة الأموال وتوفير دعم مادي للإرهاب، مؤكدة أنّ العقوبات تأتي في إطار استراتيجية تستهدف تفكيك البنية المالية للتنظيمات المرتبطة بالإرهاب وتجفيف مصادر تمويلها.
وخلال عقود طويلة، تعاملت دوائر غربية مع الإخوان باعتبارهم أحد الفاعلين الذين يمكن احتواؤهم أو الاستفادة منهم في إدارة توازنات الشرق الأوسط. لكن المنطقة التي أعادت حرب غزة، ثم المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، رسم خرائطها، لم تعد تسمح بالحسابات القديمة. فالأولوية لم تعد إدارة النفوذ بقدر ما أصبحت منع تشكل شبكات عابرة للحدود يصعب ضبط مصادر تمويلها أو التحكم في مساراتها.
ومن هنا، ينبغي ألا يُقرأ القرار الأمريكي باعتباره مجرد تطور في ملف مكافحة الإرهاب، وإنّما باعتباره جزءًا من مراجعة أوسع لمفهوم «الفاعل الوظيفي» في السياسة الأمريكية. فالتنظيمات التي كانت تُقيَّم سابقًا بمدى قدرتها على التأثير السياسي، أصبحت تُقاس اليوم بحجم المخاطر التي تفرضها على الأمن الإقليمي، وبقدرتها على التحرك خارج الأطر التقليدية للدولة.
ولذلك ركزت الإجراءات الأمريكية على البنية المالية أكثر من البنية التنظيمية. فالخبرة الدولية أثبتت أنّ التنظيمات العابرة للحدود لا تستمد قدرتها على البقاء من السلاح وحده، بل من المال الذي يضمن استمرار التجنيد، والإعلام، والحركة، والدعم اللوجستي. ولهذا انتقلت المواجهة من مطاردة القيادات إلى استهداف منظومات التمويل، والواجهات الاقتصادية، والشبكات التي تسمح للتنظيم بإعادة إنتاج نفسه.
وهنا تكمن الدلالة الأهم للتحول الأمريكي؛ إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى الجماعة باعتبارها تنظيمًا سياسيًا فحسب، بل باعتبارها بنية مرنة تمتلك أدوات مالية وإعلامية واجتماعية عابرة للحدود. وهذه المقاربة تتسق مع التحول الذي تشهده استراتيجيات مكافحة الإرهاب عالميًا، حيث أصبح تجفيف مصادر التمويل أكثر فاعلية من الاكتفاء بالملاحقة الأمنية.
وفي المقابل، تكشف التطورات الأخيرة أن الجماعة نفسها دخلت مرحلة مختلفة. فبعد الضربات التي تلقتها خلال السنوات الماضية، لم يعد التنظيم يعتمد على هياكله التقليدية أو قياداته التاريخية وحدها، بل اتجه إلى نمط أكثر لامركزية، مع الدفع بوجوه أقل شهرة، وتوزيع الأدوار بين منصات إعلامية، وواجهات مدنية، وشبكات رقمية. ولا يعكس ذلك بالضرورة استعادة للقوة، بقدر ما يعبر عن استراتيجية دفاعية هدفها الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على البقاء والتكيف.
أما موقف الجماعة من الحرب على إيران، فقد كشف عن معضلة سياسية لا تقل أهمية. فلم تنحز بصورة كاملة إلى طهران، ولم تنضم كذلك إلى معسكر خصومها، بل اختارت خطابًا حذرًا يرفض التصعيد العسكري ويُبقي القضية الفلسطينية في صدارة المشهد. ويمكن تفسير هذا الموقف باعتباره محاولة للاحتفاظ بهامش مناورة في لحظة لم تكن فيها موازين القوى قد استقرت بعد، بما يسمح للتنظيم بتجنب خسارة أي من دوائر التأثير المحتملة.
غير أن هذه البراجماتية تكشف أيضًا عن تراجع الوزن السياسي للجماعة. فالتنظيم الذي كان يسعى يومًا إلى التأثير في مسارات الإقليم، أصبح اليوم يتعامل مع التحولات باعتباره متلقيًا لها أكثر من كونه طرفًا فاعلًا في صناعتها. وهذا في حد ذاته يعكس حجم التغيير الذي أصاب البيئة التي تحرك فيها طوال العقود الماضية.
ولا يعني ذلك أنّ الغرب قد حسم موقفه النهائي من الجماعة، أو أنّه تبنى بالكامل الرؤى التي طرحتها دول المنطقة منذ سنوات. فالدول الكبرى لا تغير سياساتها بدافع المراجعات الأخلاقية، وإنما وفق حسابات المصالح. لكنها، عندما تعيد تعريف مصادر التهديد، تعيد تلقائيًا تقييم الأدوات التي اعتمدت عليها في مراحل سابقة.
ولهذا، فإنّ القيمة الحقيقية للقرار الأمريكي لا تكمن في عدد الأفراد أو الكيانات التي شملتها العقوبات، بل في كونه يعكس انتقالًا من سياسة إدارة الجماعة إلى سياسة إدارة مخاطرها. ففي السابق كان السؤال: كيف يمكن الاستفادة من هذا الفاعل؟ أما اليوم فأصبح السؤال: كيف يمكن الحد من قدرته على الحركة والتمويل وإعادة إنتاج نفسه؟ والفارق بين السؤالين يلخص جانبًا مهمًا من التحول الذي تشهده السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
قد يكون من المبكر الحديث عن قطيعة نهائية بين الغرب وجماعة الإخوان، لكن المؤكد أنّ مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها إعادة تقييم الوظيفة، لا إعادة اكتشاف التنظيم. فما كان يُنظر إليه يومًا باعتباره أداة قابلة للتوظيف، بات يُنظر إليه اليوم باعتباره مصدرًا محتملاً للمخاطر. وفي عالم السياسة الدولية، لا تسقط التنظيمات عندما تتغير أفكارها، بل عندما تتغير الحاجة إليها. وربما يكون هذا هو العنوان الحقيقي للمرحلة الراهنة: فالإخوان لا يواجهون مجرد عقوبات أمريكية، وإنما يواجهون مراجعة استراتيجية قد تكون أعمق أثرًا وأطول عمرًا من أي قرار مالي أو سياسي عابر.