لا يزال النقاش الدائر حول المسودات الأولية المتعددة التى خرجت من رحم الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد دستور جديد للبلاد موضعاً للخلافات والصراعات الشديدة بين المحسوبين على التيار الدينى من ناحية، والمحسوبين على التيار المدنى من ناحية أخرى. ويبدو أن هذا الأمر سيظل قائماً ومستمراً لفترة ليست بالقصيرة من الزمن، وذلك لأسباب كثيرة من أهمها غياب وجود فلسفة محددة وواضحة للدستور الجديد تحدد طبيعة العلاقة بين العام والخاص لدى أغلب أعضاء الجمعية التأسيسية بصفة عامة وممثلى التيار الدينى بشكل خاص. تلك النقطة الغائبة التى يؤكد معظم أساتذة النظم السياسية وفقهاء القانون الدستورى أنها واحدة من أهم المعايير الحاسمة فى تحديد مدى ديمقراطية أى دستور؛ لأنها تحدد ببساطة ما يدخل فى نطاق وظائف الدولة واختصاصاتها، وما يخرج عنها ويعتبر من صميم الحقوق والحريات الشخصية للمواطن، يمارسها دون أى تدخل من قبل أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة.
ويزداد الأمر سوءاً مع تنامى إصرار الإسلاميين على أن تكون «الشريعة الإسلامية» هى الأساس الوحيد لدستور وقوانين الدولة. وبالرغم من عدم كونهم موحدين فى تفسيراتهم للشريعة، وهو ما اتضح بصورة جلية فى مناقشاتهم وخلافاتهم الجزئية داخل الجمعية التأسيسية على مدار الأشهر القليلة الماضية، التى وصلت فى لحظة ما إلى حد استخدام الشارع للتظاهر والتهديد بالانسحاب من قبل السلفيين وأعضاء الجماعة الإسلامية فى مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنهم ما زالوا يشتركون جميعاً فى التعبير عن رغبتهم لتطبيق الشريعة كأساس قانونى وحيد، أكثر من سماحهم للنصوص الدستورية بأن تبرز من خلال تفاوضهم السياسى القائم على التعددية لتوفيق الرغبات المتنافسة بين أغلب القوى والتيارات السياسية الأخرى الموجودة فى نسيج المجتمع، بما فى ذلك الرغبات العلمانية التى تنادى بفصل تام للدين عن الدولة.
والأخطر من ذلك هو اتفاقهم فى الترويج للفرض القائل بأن دعم دستور الدولة ومؤسساتها لتطبيق الشريعة الإسلامية لهو مرتبط ارتباطاً إيجابياً بزيادة عدد الأفراد المؤمنين فى المجتمع وسلامة أخلاقهم. وهو ما يخالف معظم نتائج الدراسات الميدانية المعتمدة على بيانات «مسح القيم العالمى»، الذى هو عبارة عن استقصاء عن التغيرات فى القيم والمعتقدات الأساسية لجمهور ما يقرب من 70 دولة، تقع فى القارات الست وتضم 80% من سكان العالم، حيث أظهرت أن جماهير الدول التى تطبق ما يمكن أن نسميه بنموذج «الدولة المتألهة» فى دساتيرها وقوانينها، مثل السعودية وإيران، تكون أقل تديناً من حيث التعريف الذاتى للتدين وممارسة الشعائر والانتماء إلى الهوية الدينية. ويبدو أن هذه العلاقة العكسية بين تدين الدولة وتدين المجتمع قد تعطى تصديقاً لنظرية سائدة فى علم الاجتماع الدينى، تفترض أن التعددية الدينية هى حالة طبيعة وملائمة لجوهر الدين، وأنه عندما تتدخل الدولة لفرض منهج دينى موحد على الجماهير، فإنهم يصبحون أقل تديناً.
وفى ختام هذا المقال لا أجد أبلغ من أحد مقاطع المفكر الإسلامى والفيلسوف النهضوى عبدالرحمن الكواكبى وهو يتحدث عن الاستبداد والدين فى كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، وذلك حينما أكد فى براعة فائقة: «أن بين الاستبدادين السياسى والدينى مقارنة لا تنفك، متى وُجد أحدهما فى أمة جر الآخر إليه، وإن صلح أى ضعف أحدهما صلح أى ضعف الثانى».