لا أريد أن أبدو هنا وكأننى أدافع عن عادل إمام، فقد أخطأ عادل كثيرا فى حق نفسه عندما انغمس فى إصدار التصريحات السياسية المباشرة، مرة ضد حماس فى غزة وقت الغزو الإسرائيلى الشرس للقطاع، ومرة أخرى عندما هاجم الثوار وسخر منهم وقت اشتعال الثورة فى مصر.
بدا فى لحظة فارقة أن عادل إمام كان يبرر الغزو الإسرائيلى وينتقد حماس لحساب نظام مبارك، ثم بدا بعد ذلك، أنه اتخذ موقفا ضد الجماهير التى أحبته ورفعته إلى قمة المجد.
فى كلا الموقفين أخطأ. لكن هذا الخطأ أو ذاك لا يبرر لأحد أياً كان أن يصادر على حريته وعلى حقه فى توجيه النقد السياسى والاجتماعى من خلال أفلامه التى يكتبها له آخرون، كل حسب تصوره الذاتى لسينما النقد الاجتماعى، وحسب مساحة الوعى بقضايا الواقع الاجتماعى عند كتاب أفلامه.
إن محاكمة عادل إمام على ما قام به من أدوار منذ السبعينات حتى اليوم، خاصة ما يوجه من خلالها نقدا إلى ما يسمى بـ«الإسلام السياسى» أو تسييس الدين والزج به فى حلبة الصراع السياسى بما ينتهى عادة إلى تكفير الآخرين.
هذه المحاكمة هى عار فى جبين المجتمع المصرى ودليل على الارتداد الفكرى والثقافى الذى نعيشه، رغم كل دعاوى النهضة الفكرية والوعى الاجتماعى التى لا نكف عن التشدق بها منذ اندلاع ثورة الغضب المصرية فى يناير 2011.
إن الثورة السياسية التى لا تواكبها ثورة ثقافية، هى ثورة ناقصة، أو «نص ثورة» حسب عنوان فيلم تسجيلى طويل مهم عن ثورة يناير.
و الحكم على عادل إمام مقصود به «قتل القط» للمثقفين الوطنيين الديمقراطيين فى مصر، وتحذير خشن لهم بالكف عن نقد المواقف والأفكار الرجعية التى تنتهى إلى تبرير العنف والقتل والتكفير، ليس فقط اعتداء فظاً على حرية التعبير بل وعلى جوهر فكرة الفن، يستوجب التصدى له ومقاومته.
بل اختبار للمثقفين المصريين ولقدرتهم على مواجهة التحدى الجديد الزاحف بقوة على سطح المجتمع مع ما حققته تيارات «المتأسلمين» من تقدم فى الانتخابات النيابية، ووصولها إلى مواقع قد تتيح لها إحداث تغيير جوهرى فى خريطة المكتسبات التى حققتها الطبقة الوسطى المصرية منذ ثورة 1919.
الموضوع ليس مجرد أن ممثلاً ألقى بعض التعليقات فى عدد من أفلامه واعتبره البعض اعتداء على الدين.
بل إن خطورته تكمن فى صدور حكم قضائى بتأييد مثل هذه الدعوى، وهو مؤشر على ما يمكن أن تؤول إليه الأمور فى مصر فى ظل غياب ثقافة مواجهة حقيقية، وغياب أى دور فعال للمؤسسة الدينية الرسمية، وتشرذم النخبة.
ويا أهل الفكر والفن والثقافة والإبداع، أفيقوا من سباتكم يرحمكم الله!