غصب عن «عين التخين»

عمرو سلامة

عمرو سلامة

كاتب صحفي

أكتب هذا الكلام وأمامى مشاهد «الميكرو - حرب» أهلية التى تحدث أمام قصر الاتحادية، القلب فيه غصة والعين بها دمعة والعقل به حرب أخرى لا تقل عن تلك التى فى الشوارع. كل ما أفكر فيه جديا هى مشاعرى السابقة، مشاعرى يوم ٢٥ يناير عندما نزلنا ونحن لا نعلم ماذا سيحدث لنا فى أول مظاهراتنا ضد نظام مبارك فى ثورة يناير، فى الطريق لدار الحكمة شعرت بكل الخوف، رأيت الشارع خاليا وسيارات أمن مركزى كثيرة وعساكر يحيطوننا بكردون بشرى، لكن سرعان ما تحول خوفى إلى إصرار على الهتاف، ضُرِبنا وأُهِنا لكن تولد عندنا الأمل عندما رأينا الجموع تنزل ليلاً إلى الميدان. شعرنا على مدار الثمانية عشر يوما بالكثير من الخوف والإحباط ممزوجين بنشوة الوطنية والإصرار والأمل. الأهم من ذلك كله مشاعرنا يوم ١١ فبراير مع تنحى الطاغية، ظننا جميعا أن هذا الدرس التاريخى سيعيه كل من يأتى بعده، ظننت أن هناك سيكون مرض اسمه «التحريروفوبيا» وهو خوف أى حاكم قادم من ميدان التحرير الذى خلع من كان قبله. كان الناس عندما يرون أيا من الثوار المعروفين يقفون لهم ويشكرونهم ويدعون لهم لأنهم أنقذوا الوطن من مبارك الطاغية، وعندما كان البعض يتشكك من جدوى الثورة أو ما قد يحدث بعدها كان الثوار -وأنا منهم- نقسم لهم أن القادم أفضل ونحكى لهم عن الثورات السابقة فى التاريخ وكيف أدت لنهوض الأمم. عندما كان يطرح اسم الإخوان وأنهم وراء حرق السجون وهم من يحركون التحرير كنت أغضب وأقول إننا سئمنا النظام القبيح يستخدمهم كفزاعة وإنهم مهما كان الاختلاف الفكرى معهم أظن أنهم مفترى عليهم، ويجب أن يكونوا جزءا من الحياة السياسية المصرية وإنهم قوة على الأرض ومن الظلم تهميشهم. مهما كانت تراودنى شكوك أو مخاوف من القادم لم أكن أظن لواحد من الألف أن أجد المشهد الذى أراه الآن، مهما ساءت ظنونى لم أكن أتوقع من الإخوان المسلمين ما رأيناه منهم خلال هذين العامين ولا أن أرى منهم كل هذا العنف تجاه إخوتهم المصريين. كنت أحب الكثير من شبابهم وأظن أن بهم الكثير من الأمل ليصبحوا أكثر تقدمية وتفتحا من الديناصورات الذين فوقهم، كنت أتحدث معهم وأتعاون معهم وأحاول فهم وجهة نظرهم لكل ما يحدث ولم أتوقع أبدا أن هذه العقول وهذه الوجوه ستتحول لمجرد أفواه مبررة لكل حدث مشين معيب ديكتاتورى قمعى وحشى. لم أتوقع يوماً أن يأتى لنا حاكم منهم بكل سرعة يظن أن بمجرد أنه مدعوم بفصيله سيقهر باقى الفصائل والآراء، حاكم يبرر لنفسه أن كل من يعارضه وراءه مؤامرة أو ممول أو مأجور، حاكم مهما انتقده من حوله ظن أنه يعلم ما لا يعملون، يمضى قدما بقراراته مهما كان ثمنها. بكل بساطة كان تشاؤمى فاشلا فى تخيل كل هذه العنصرية والكره والعنف والدوجماتية والتعصب لرأى الجماعة مهما كان غير منطقى وينافى العقل والمنطق والدين والوطنية. أنا الآن غاضب على تفاؤلى وبراعته فى إقناعى أن القادم كان أفضل، لكن لا والله هو ليس أفضل لكن بالفعل أسوأ. من اليوم يجب ألا يكون دافعنا تشاؤما أو تفاؤلا، غضبا أو خوفا، واجبنا الوطنى أن يكون دافعنا حب هذا الوطن والاستعداد للاستشهاد من أجل أن يكون أفضل، غصب عن عين التخين.