مين يقدر يحبس مصر ساعة؟

أحمد انور

أحمد انور

كاتب صحفي

خرجت مظاهرات التيار المسمى «الإسلامى» تضم أعدادا كبيرة من الإخوان المسلمين وأحزاب التيارات المسماة «السلفية»، دعوا فيها متظاهرى التحرير -كما قالوا- إلى كلمة سواء. وبعيدا عن بعض الأوصاف التى وصف بعض المتظاهرين بها رموز القوى الوطنية المدنية والهتافات التى طالبت بحرق المخالفين فى الرأى «بجاز»، حسب ما ردده المتظاهرون، لم يخرج صوت واحد يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يخرج صوت يطالب من لم يستطع أن يحفظ عفة لسانه بالرجوع إلى الحق وإلى الهدى النبوى السمح الكريم ولم نجد فى هذه الهتافات رحمة الإسلام ومنع استخدام الفاحش والبذىء من القول وأن يكون الجدال بالتى هى أحسن. أقول: بعيدا عن كل هذا وغيره، لقد لبيت الدعوة إلى كلمة سواء، التى دعا إليها أحد المتحدثين فى التظاهرة حين خاطب متظاهرى التحرير قائلا: تعالوا إلى كلمة سواء. وأقول: يا إخوة الإسلام والوطن، لقد أيدتم قرار الرئيس المسمى «الإعلان الدستورى» وكانت الهتافات: «لو خضت بنا البحر سنخوضه معك». والآن إذا أصدر الرئيس المحصنة قراراته قرارا بسجن أى منكم أو اعتقله بحجة تطبيق شرع الله أو بغيرها من الحجج ما استطاع أى منكم إلا أن يمتثل لقرار الزعيم الملهم. وقد حدث هذا من قبلُ مع الرئيس الراحل أنور السادات، رحمه الله، هذا الرجل الذى يعلم الكثيرون قدر وطنيته وكفاحه منذ شبابه وتضحيته من أجل بلاده، والأهم قدر إيمانه وحفظه لكتاب الله كاملا، ورغم ذلك أصدر السادات قرارا بحبس مصر حين سجن كل الرموز الوطنية التى لم تخرج من السجون إلا بعد اغتيال الرئيس، ورغم أن السادات كان لديه هدف كبير، حسب ما قال المقربون منه بأنه يريد أن يحرر التراب الوطنى كاملا وأنه لن يطيل فترة السجن على المسجونين، فإن ذلك لم يشفع للسادات، ورغم التقدير لرجل قاد حرب التحرير وانتصر، ومهما كان قدر حسن نواياه، فإنه لا يمكن لأحد كائنا من كان أن يحبس مصر ساعة. أقول لمن دعوا إلى كلمة سواء: لقد تغاضيتم اليوم عن منح الرئيس نفسه صلاحيات وسلطات الفرعون لحاجة وغرض فى أنفسكم، لكن ماذا سيحدث حين تختلفون مع الرئيس وتجدون قراراته محصنة؟ سيقول قائل: إن التحصين مؤقت وزائل، وأقول لكم: «مين يقدر يحبس مصر ساعة؟»، كما أن هذا التحصين أيا ما كانت النوايا يعد جريمة لا يجوز أن يقترب منها الرئيس حتى لا يعتادها. ومن يضمن ألا يلجأ الرئيس إلى هذا التحصين فى المقبل من الأحداث والأيام ساعتها سيندم كل من سمح بأن تحبس مصر ساعة. وأقول لكم: إن التأييد أو المعارضة لا يعنيان التفريط فى حق الشعب فى الاعتراض على الرئيس، ولا يعنيان أن يتحول الرئيس إلى فرعون جديد، وأقول لكم: لقد غضضتم الطرف اليوم عن هذه الجريمة التى ارتُكتب فى حق الوطنية المصرية التى ناضل من أجلها واستشهد وسجن فى سبيلها ومن أجل ترسيخها الكثيرون من أبناء هذا الشعب. لكن فلننتظر، ونحن لا ندرى ماذا يخبئه القدر لنرى ماذا سيحدث عندما تختلفون مع الرئيس، وهذا ليس ببعيد، طالما فتحتم الحديث عن شرع الله فماذا سيحدث إذا اختلفتم حول أفعال الرئيس القادمة وهل هى توافق الشرع أم لا؟ أقول لكم: لمَ لا تحافظون على ثوابت الوطن فى منع تغول سلطات الرئيس؟ ولمَ لا تحافظون على حق الشعب فى الاعتراض على الحاكم؟ لا أقول بالمظاهرات والهتافات وإنما بحكم القانون الذى يحمى الشعب ويذكر الحاكم بأنه فرد من الناس يأكل ويشرب مثلهم وليس منزها ولا محصنا ولا معصوما، لكنكم الآن تمحون ثابتا وطنيا ناضل فى سبيله الشعب. وأتوجه لمن دعا إلى كلمة سواء متسائلا: هل تسامحتم مع عبدالناصر فيما وقع عليكم من نكال؛ لأنه حين نكل بكم كان يبغى وجه الله والوطن أم أنكم ما زلتم تشعرون بمرارة وغصة؟ إذا أردتم أن تسمعوا كلمة فأقول لكم: لقد أخطأتم والبلاد لا تدار بالهوى أو بإلغاء حق الشعب أو حبس مصر ساعة مهما كانت المبررات وإنما تدار بالقانون الذى يحمى الضعفاء من بطش وتغول الحكام. وأقول لكم: إن مؤسسة القضاء فى مصر تحظى بتقدير واحترام الشعب وهى حصنه أمام من تسول له نفسه أن يحصن قراراته مهما كانت الأسباب، فهل تدركون أن التطاول على القضاة ومحاولة هدم صرح العدالة إنما يفتحان باب الظلم وباب الفوضى ويتركان رئيسا أو حاكما لا يستطيع أن يوقفه أحد عند حده، والله إن هذا ليس من الإسلام فى شىء. هذه كلمتى لمن دعوا إلى كلمة سواء.