هيلتون طنطا

يقف الآلاف يومياً فى طابور بطىء.. لأجل الوصول إلى «كارفور طنطا».. حيث تمتد سيارات الطبقة الوسطى إلى عدة كيلومترات قبل بوابة المتجر الكبير!

(1)

تطوّرت أنماط الحياة فى طنطا فى السنوات الأخيرة على نحوٍ لافتٍ. يمكنكَ أن تجدَ نادياً رائعاً مثل نادى طنطا، ونادياً خاصاً مثل نادى سبورتنج كاسل طنطا.. وهو أول نادٍ يتم طرحه فى البورصة المصرية.

يمكنكَ أيضاً أن تلحظَ عدداً من «المولات» و«الكافيهات» الحديثة، وما بعد الحديثة فى العديد من شوارع المدينة العريقة.

فى طنطا جامعة ومحطة تليفزيون وإذاعة.. وفيها أيضاً أكبر مستشفى فى مصر.. «مستشفى طنطا العالمى»، وواحدة من أعرق محطات السكة الحديد فى الشرق الأوسط.

وقد تأسست فى الآونة الأخيرة مكتبات حديثة.. وأُقيم مهرجان طنطا الدولى للشعر.. ويسعى عدد كبير من المثقفين لتحويل مسرح البلدية.. الذى يُعّد واحداً من أروع المنشآت الثقافية والتاريخية.. إلى دار «أوبرا طنطا».. ويسعى آخرون لتطوير الحركة السياحية وتأسيس فندق «هيلتون طنطا».

(2)

بينما تبدو طنطا متوهجَة وممتلئَة بالأمل.. فإن الأمل ينحسر تدريجياً خارجَها. وحين يأتى العامّة لزيارة ضريح العارف بالله السيد البدوى، والصلاة فى الجامع الأحمدى، يمكنكَ أن تسمعْ أوجاع البسطاء.. ودعاء المحرومين.

يعانى صغار الفلاحين من تحدياتٍ غير مسبوقة.. حيث لم تعدْ لحرفة الزراعة.. التى ورثوها عن أجدادهم الفراعنة.. أيّة قيمة اقتصادية. ويفكر ملايين الفلاحين فى «خروج آمن» من الزراعة إلى غيرها.. ومن الأرض الزراعية وما عليها.

يصل ثمن الفدان من الأرض الزراعية فى المتوسط إلى نصف المليون جنيه، ويصل إيجاره فى العام إلى ستة آلاف جنيه، وتصل أرباحه هذه السنوات إلى «صفر».. وأحياناً إلى ديون والتزامات.. أى «أقل من الصفر».

وبحساب بسيط.. فإن عائد ثمن الفدان، إذا ما تم إيداعه فى البنوك، فى شهرٍ واحد، يساوى إيجار الفدان فى عامٍ كاملٍ!

كما أن الخسائر المتكررة لدى الفلاحين جعلت العائد البنكى يزيد على خمسين ضعف صافى الأرباح فى العام الواحد.. إذا ما كان هامش الربح لا يزال فوق الصفر.

لم تعد الزراعة نشاطاً اقتصادياً.. ولم تعد وزارة الزراعة تعرف شيئاً عن آليات الحلّ.. أمّا الجمعيات الزراعية وغيرها.. فلم تعد ذات جدوى حقيقية.. وأصبح الفلاح الحلقة الأضعف فى منظومة الزراعة المصرية.

قال لى بعضهم: لقد حرثنا الأرضَ وهى مزروعة بالقمح.. وزرعنا بدلاً من القمح.. البصل، لأننا حسبنا التكاليف.. ووجدنا أن زراعة القمح تعنى الخسارة المؤكدة.. ومن المؤكد أننا لن نعود لزراعته مرةً أخرى!

(3)

يقول الفلاحون -إذاً- إنهم قد لا يعودون لزراعة القمح، فى بلدٍ يستورد الغذاء.. وفى منطقةٍ تمتلئ بالحروب والسلاح واحتمالات انزلاق المنطقة نحو حافة الهاوية!

(4)

فى المحلة الكبرى.. مدينة الصناعة التى تحيطها الزراعة.. ويقع «متجر كارفور طنطا» على طريقها.. تبدو الصورة معقدة هى الأخرى.

فى المحلة الكبرى.. التى كانت «مانشستر مصر» ذات يوم.. لم تعد عاصمة النسيج مزدهرة كما كانتْ.. فلا المصانع تطورتْ.. ولا الماكينات تبدلّتْ.. لا الاستثمارات جاءتْ ولا الأرباح تحققتْ. بينما ينشط اليسار المتطرف لإثارة المدينة ودفعها إلى الانفلات.

لقد تحدثتُ مؤخراً مع عددٍ من السادة الوزراء وأبلغتُهم مدى الخطر القادم من المحلة الكبرى.. ما لم يتم بحث مشاكلها والجلوس مع النافذين فيها. وإذا كانت السياسة توجِب حلولاً سريعة لوضعٍ يجرى دفْعُهُ من خصوم الدولة إلى الانفجار.. فإن الاقتصاد يوجِب بحثَ رؤيةٍ جذرية.. لا لأن تهدأ المحلة لسنوات.. بل لأن تزدهر المحلة لعقود.

(5)

لقد اقترحتُ على عددٍ من مثقفى طنطا والمحلة.. عقد مؤتمرٍ بعنوان «الغربية 2020».. بحضور السيد المحافظ والسادة النواب.. وبرعاية السيد الرئيس وحضور السيد رئيس الوزراء.. لأجل وضع رؤية علمية لمعضلات الحاضر.. وآفاق المستقبل.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر