منذ اليوم الأول لانتصار الإرادة الشعبية كان جليّاً أن الثورة التى قامت فى مواجهة استبداد مبارك لن ترضى بديكتاتورية عسكرية بديلة، واليوم بات ضرورياً أن نتوقف لنقرر الوزن النسبى للجيش فى تركيبة الدولة الجديدة.
وقناعتى أن اللف والدوران حول موضوع الجيش وموضعه هو المسئول المباشر عن خطايا المرحلة الانتقالية، بل أكاد أقول إنه هو اللهو الخفى.
نحن فى حاجة ماسة لإبعاد الجيش عن السياسة، لا خوفاً على السياسة فقط، بل خوفاً على الجيش أيضاً؛ فنحن لا نريد أن تدخل «رِجْل» الجيش فى المستنقع السياسى؛ فهى إن دخلت لن تخرج إلا بإحدى السيئتين: انهيار السياسة، أو انهيار الجيش.. أو انهيارهما معاً.
نحن فى حاجة إلى الانتقال من دولة الجيش إلى جيش الدولة، ومع الانسحاب الكامل للجيش من الدور السياسى يجب التسليم بأن هناك قضايا يكون له الرأى الأهم فيها، وأن له أن يشترك فى رسم السياسات العليا عبر مجلس للدفاع الوطنى يشكَّل من عسكريين ومدنيين، وبأغلبية مدنية، ويبقى لرأى الجيش فى الموضوعات التى تمس الأمن الوطنى ثقل خاص محدد ومتفق عليه، وعلى رأس هذه الموضوعات علاقات مصر الدولية والإقليمية؛ لأنها بالضرورة قضية أمن وطنى.
فى المقابل، يجب أن يكون مفهوماً ومستقراً أن الشأن الداخلى، بكل ما يشمله من قضايا وأجهزة ومؤسسات، لا دخل للجيش فيه، ولا يجوز له التدخل فى عملها، كما أنه بات من الضرورى أن ينتهى عصر المكافآت التى تُمنح لرجال من القوات المسلحة أو الشرطة أو القضاء، المحالين إلى المعاش بتعيين «كوتة» منهم فى أجهزة الحكم المحلى ودوائر الحكومة المختلفة.
الجيش يجب أن يبقى مؤسسة سيادية بعيدة عن التحزب والاختلافات والألاعيب التى يعرفها السياسيون ولا يتقنها العسكريون.
وأسوأ نتيجة أن يتحول الجيش إلى فريق سياسى فى مواجهة فرقاء سياسيين آخرين، أو أن يتحول من جيش الدولة إلى جيش السلطة، ومن جيش للشعب إلى جيش لفريق من الشعب، فيتحول ولاؤه من الأمة إلى الولاء لأشخاص، أو نخبة تريد أن تحكم أو تتحكم.