فى صباح يوم الخميس 6 ديسمبر ومع هدوء الاشتباكات الدامية التى استمرت لساعات طويلة خلال ليل الأربعاء بين مؤيدى ومعارضى الرئيس فى محيط قصر الاتحادية، وأسفرت عن وفاة 6 مواطنين وإصابة أكثر من 644 مواطناً آخرين، احتفلت مجموعة من شباب التيار الإسلامى بنجاحهم الساحق فى فض اعتصام المعارضين بالقوة من أمام القصر الجمهورى، ونظموا مسيرة شبيهة بالمارشات العسكرية التى نشاهدها سنوياً على شاشات التليفزيون أثناء احتفالات جنود القوات المسلحة بالانتصار فى حرب أكتوبر المجيدة على العدو الصهيونى، رددوا خلالها العديد من الهتافات المُحتفلة بانتصارهم المبارك فى غزوة «الاتحادية» والمؤيدة للرئيس محمد مرسى وقراراته الحكيمة الأخيرة التى قسمت الوطن، وهى الهتافات التى كان يتخللها باستمرار دعوات متكررة من جانب الجماهير المشاركة فى هذه المسيرة للتكبير، ومنها هتاف: «قوة.. عزيمة.. إيمان.. رجالة مرسى فى كل مكان.. مرسى بيضرب فى المليان»!
ودون الدخول فى تفاصيل التنازع والجدل «السفسطائى» العقيم الذى يدور حالياً بين المعارضة والموالاة حول هوية القتلى والمصابين فى هذه الأحداث المؤلمة لمتابعة مسلسل المتاجرة بدمائهم، يمكن القول إن المسئول الأول والفعلى عن دماء أبناء الوطن الواحد التى سالت من قِبل الطرفين دون استثناء بسبب خلافات سياسية هم كل قادة جماعة الإخون المسلمين الذين قاموا بتوجيه دعوة إلى عدد من الأحزاب الممثلة للقوى الإسلامية لمشاركتهم صلاة العصر أمام قصر الاتحادية الذى يوجد فى محيطه عدد كبير من المعارضين المعتصمين، تحت شعار «دعماً للشرعية ورئيسها المنتخب، ورفضاً لديكتاتورية الأقلية.. فلنصلِّ العصر أمام قصر الاتحادية اليوم.. والله غالب على أمره!».
فما حدث يدل على الاحتكام لمنطق «البقاء للأقوى» وغياب كافة أبجديات منهج إدارة الأزمات الذى كان يجب أن يسود فى معالجة تداعيات حالات الاحتقان والعنف المتبادل التى أعقبت صدور الإعلان غير الدستورى الأخير، وتزايدت نتيجة «المأزق المفتعل False Dilemma» الذى ظهر مع استعجال أعضاء اللجنة التأسيسية -غير المبرر- فى إجراءات التصويت على المسودة النهائية للدستور بعد تصعيد عدد من الأعضاء الاحتياطيين كبديل عن المنسحبين وتسليمها لرئيس الجمهورية، تمهيداً لطرحها للاستفتاء من قِبل المواطنين يوم 15 ديسمبر الحالى، وهو ما يخالف هدف المادة (4) من الإعلان غير الدستورى ذاته، التى أضافت شهرين آخرين لمدة عمل اللجنة التأسيسية، خاصة مع ترويج بعض المؤيدين للإعلان بأن الهدف من هذه المادة يكمن فى رغبة رئيس الجمهورية فى إعطاء فرصة أكبر لعودة المنسحبين من «التأسيسية» والتوصل إلى صياغة دستور توافقى يرضى جميع القوى السياسية والاجتماعية المختلفة.
ولكن يبدو أن الأهداف غير المعلنة من هذه الأزمات المتكررة التى غالباً ما سوف تستبطن بوادر أزمات أخرى، كانت العمل على وضع المعارضة بتركيباتها المتنوعة فى مأزق مفتعل للاختيار بين بديلين، كلاهما خطر على مستقبل الديمقراطية فى مصر من ناحية، ومحاولة إيهام عامة الشعب بأن التيار الإسلامى لا يخوض هذه المعارك من أجل نفسه أو من أجل الرئيس، وإنما من أجل تطبيق شريعة الله ضد الليبراليين الكفرة من ناحية أخرى. وذلك على خلاف حقيقة الصراع الدائر الآن الذى تجاوز نزاع الهوية الإسلامية - الليبرالية المُصطنع مع مرور الأحداث وانكشاف النوايا، وتبلورت أطرافه بين قوى شعبية وسياسية متعددة تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة، وأخرى سلطوية تسعى إلى تدشين نظام استبدادى جديد قائم على قاعدة دينية.