العرض والمرض

هناء عبيد

هناء عبيد

كاتب صحفي

تشير خريطة التوترات الأمنية إلى دلالة خاصة للمناطق الحدودية والنائية من حيث خطورة مشكلاتها وتكرارها. فمن السلوم، إلى العريش، إلى الصعيد، ومن خطف سائحين، إلى قطع طرق، إلى تفجير خطوط أنابيب الغاز، تظل محافظات الصعيد والمناطق الحدودية المسرح الأبرز لمشكلات تشى بفشل أمنى فادح، ومخاطـر تحيق بهيبة الدولة. وبينما تتقافز التفسيرات حول الانكشاف الأمنى والمخاوف من الاختراق الخارجى، تغيب الإشارة إلى جذر رئيسى للمسألة الأمنية وهو الحرمان والتهميش الاقتصادى. فالاختلال التنموى فى مصر له بعد مكانى واضح، حيث غابت سياسات التنمية على مدى العقود السابقة، الحضر على حساب الريف، الشمال على حساب الجنوب، والداخل والساحل على حساب الأطـراف، فإذا تخيلنا هرمــاً للتنمية يتمتـع أعـلاه بمعدلات أفضـل نسبياً للتنميـة، بينمـا تعانى قاعدتـه من الحرمان والتهميش مقارنة بغيرها، سنجد أن قاعدة الهــرم دومــاً من نصيب الصعيد والحدود. وإذا أخذنا مؤشر الفقر على سبيل المثال، نجد المقاعد الأخيرة دوماً محجوزة لمحافظات الوجه القبلى، تليها محافظة الوادى الجديد، وشمال سيناء. وتعانى محافظة أسيوط مثلاً، التى تحتكر المركز الأخير من بين محافظات مصر، من معدلات فقر تناهز 70% من سكانها، ويتربع ريف الوجه القبلى على هرم الفقر بنسبة تصل إلى حوالى 50% من سكانه، كما يضم أكثر من ثلاثة أرباع القرى الأكثر فقراً، ينافسه فى البؤس ريف محافظات الحدود التى تحل فى المركز الثانى من حيث معدلات الفقر، ثم يليهما بفارق بسيط حضر محافظات الصعيد. وإذا كان الحال كذلك لسنوات طوال، فإن المصاعب الاقتصادية على مدار العام الماضى قد أثرت بشكل أكبر على محافظات الوجه القبلى والحدود من غيرها، فعلى سبيل المثال، تشير بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك (2010-2011) إلى أن التفاقم فى معدلات الفقر قد تركز فى محافظات الأقصر التى زاد الفقراء فيها بنسبة تزيد على 20%، الوادى الجديد (بنسبة 15%)، وأسوان وقنا بنسب تتراوح حول 12%. ويظل هذا النمط قائماً عند إضافة مؤشرات التنمية البشرية التى تقيس نوعية الحياة من خلال مقاييس من قبيل العمر المتوقع، والصحة والتعليم، وغيرها، فعلى مدى العقد الأخير أو أكثر، احتلت الترتيب الأخير محافظات تنتمى جميعها إلى صعيد مصر، ما يرسم صورة أكثر قتامة بأن الفقر ليس فقراً مادياً فحسب، وإنما يرتبط بنوعية الحياة التى يحصل عليها المواطن، والتى تقلص فى الواقع من احتمالات تحسن أحواله فى المستقبل. إن العرض ينبئ إذن عن المرض، وما مظاهر انفلات الأمن فى بعض مناطق صعيد مصر أو على حدودها إلا ضوء أحمر ينبه إلى عمق المشكلات التنموية، التى تستدعى تدخلاً سريعاً وجذرياً لعلاجها بعيداً عن منطق المسكنات والحلول الجزئية. باحثة فى شئون التنمية والاقتصاد السياسى