الخلاص بالعلم: كيف نفعله؟

أحمد شوقى

أحمد شوقى

كاتب صحفي

رغم تكرارنا لمقولة أن «التغير هو الثابت الوحيد» فى عالمنا، فإننا نحمد الله أن المتغيرات ليست دائمة، لأنها تخضع ببساطة لقاعدة التغير المستمر. وفى بر مصر الكثير من المتغيرات السلبية، التى يجب أن نعمل على تغييرها. وهذا لا يعنى غياب وجود متغيرات إيجابية، نعول عليها فى مواجهة سلبيات حياتنا. لقد شهدت السنوات الأخيرة حراكين مجتمعيين هائلين، أديا إلى وعى وطنى كبير بمجموعة من المطالب المستحقة. ووضعنا فى دستورنا ملامح «مصر المستقبل» التى نريدها: «دولة عصرية حديثة مدنية، ولو لم ينص على ذلك، ذات حكم ديمقراطى». هل يمكن أن يتحقق ذلك فكراً وفعلاً إلا بالعلم؟ من هنا تأتى دعوتنا الملحة إلى «الخلاص بالعلم»، منطلقة من ضرورات الواقع وتطلعات المستقبل. بعد هذه المقدمة، يأتى السؤال المنطقى: كيف يمكننا تفعيل مقولة «الخلاص بالعلم»؟ إننا نرى الحل فى إحداث نقلة قوية فى ثلاثية «التعليم / البحث العلمى / الإعلام» بأبعادها الثقافية / المجتمعية الشاملة، مع الاهتمام بتمهيد البيئة السامحة بهذا التفعيل، ووضوح الهدف منه، الذى يتمثل فى ضمان «الأمن العلمى» للوطن، باعتباره أهم مكونات «أمنه المعرفى». هذا الإيجاز يحتاج إلى بعض التفصيل:

- من أهم عوامل توفير البيئة السامحة المذكورة وجود «لوبى للعلم»، يكشف كل أشكال اللاعلمية والجهل والخرافة فى مجتمعنا، وينشر الوعى بضرورة إدانتها ورفضها. لذلك دعونا إلى «مرصد» خاص يقوم بالمهمة. ويساعده فى عمله ما وصفناه باستعادة «العافية العلمية» للغة العربية، باعتبارها أداتنا للفهم والتواصل.

- وبالنسبة للتعليم نحتاج إلى نقلة نوعية فى تعليم وتعلم العلوم، كل العلوم النظرية والعملية، الأساسية والتطبيقية، الإنسانية والاجتماعية.

- أما الحديث عن البحث العلمى فقد قدم نموذجاً مؤسفاً لهدر الإمكانية، وانفصال الفكر عن الفعل. نقول ذلك رغم ملاحظة تحسن نسبى فى الفترة الأخيرة، نتيجة توافر التواصل المعرفى مع المصادر العلمية العالمية والتحسن النسبى فى الإمكانيات البحثية، لكن الأمر ما زال يبتعد كثيراً عن النقلة النوعية المطلوبة، لماذا؟ توالت الاستراتيجيات المسهبة دون تفعيل، أعدها بعض حسنى النية والتنفيذيين والتكنوقراط من القمة بعيداً عن القاعدة، والمطلوب تلاقيهما العضوى، بناء على إحاطة تفصيلية كاملة بالإمكانيات البشرية والمادية للقاعدة، وتجسير فجواتها بخطة مستقبلية للتمويل والابتعاث والتدريب والتوظيف المجتمعى. وباختصار تنميتها حتى نمكنها من تنمية مجتمعها. مطلوب أيضاً مراجعة جديدة لفلسفة الاستعانة بالعقول المهاجرة، وفقاً لاستراتيجيتنا الوطنية.

المتطلبات كثيرة والمساحة محدودة، والحلول موجودة، والأمل فى استراتيجية وظيفية شاملة، فاعلة ومتفاعلة، كبير (صدرت حديثاً استراتيجية جديدة تستحق معالجة منفصلة).

- ثم ماذا عن الإعلام، هل سيظل ثالثة الأثافى كما يقال؟ إنه يمثل أكبر مظاهر اللاعلمية فى مجتمعنا. الصوت الزاعق والتجاوز المارق هى بدائل العقلانية، وضمان أكيد لجذب الإعلانات. وتتكاثر برامج «التوك توك شو» مثل الفيروسات المزعجة مثلها فى ذلك مثل وسائل «التنابز الاجتماعى». ولا يمكن أن ننسى التجاوزات الواضحة لبعض المنابر الصحفية، رغم كونها أقل من غيرها. هل تستطيع التنظيمات المقترحة أن تصلح الخطاب العلمى للإعلام، دون الاكتفاء بالتصدى لجوانبه السياسية والاجتماعية فقط؟

- والخلاصة، أننا يجب أن نتعامل مع الثلاثية السابقة على مستوى سياسة الدولة الكلية Politics، قبل وضع سياساتها التنفيذية Policies، لتحقق الهدف المنشود: الأمن المعرفى للوطن، ومكونه الأساسى، أى أمنه العلمى، فهما لازمان لكل أمن!!