أتذكر بوضوح الأيام التى سبقت أول استفتاء، استفتاء مارس ٢٠١١ وكيف كنا أنا ومن يتفقون معى فى حالة من الهلع إن مر هذا الاستفتاء، كيف أن مصر ستتحول للصومال أو أفغانستان لو حدث ذلك.
ربما تكون الحقيقة أن النتيجة بنعم كانت من أهم أسباب كل العبث الدستورى والانقسام الحاد الذى نعيشه اليوم لكن ربما أيضاً لو كان الشعب قال «لا» لكانت نتيجة ذلك على نفس المقدار من المأساوية، لا أحد يستطيع أن يجزم بهذا أو ذاك، حتى لو كنت أنا أرجح أن «لا» كانت ستكون أفضل.
أتت بعد الاستفتاء انتخابات ثم انتخابات ثم انتخابات، إعلانات دستورية غير شرعية، أحداث دامية، أحداث كلنا نعلمها جيداً، معظمنا عاشها تحت قلق وهلع واكتئاب وحزن على من سقط فيها.
فى كل مرة من هذه المرات كنا نقول عبارات على شاكلة «مصر ضاعت» أو «كده خلاص البلد باظت» كان العديد يفكرون فى الهجرة بينما الآخرون واقفون فعلاً فى الطوابير أمام السفارات.
الآن الوضع لا يختلف كثيراً عن أى من الأزمات السابقة، هناك طرف يظن حالما أنه إن مر الدستور بنعم فستختفى المعارضة ويسود الاستقرار وتأتى الأموال القطرية وكابوسه أنه لو لم يمر فلن يأتى الاستقرار وقد يكتب دستور به مادة تبيح زواج الشذوذ، وهناك طرف حالم أيضاً يظن أنه لو قال الشعب «لا» لهذا الدستور -المعيب فعلا- فسيختفى الإسلاميون وسيختفى الرئيس الإسلامى وأتباعه من الوجود وكابوسه أنه إن مر الدستور ستحدث مذابح عرقية وتقصف كل الحريات ونصبح أفغانستان أخرى.
لن أجادل أن الوضع ما زال يتحول دوماً من أسوأ لأسوأ، فقط إن كانت مقارنتنا للأوضاع مادية وقصيرة النظر، لكنى أستطيع أن أجادلك لساعات وأيام أن الوضع قد يكون أفضل على مستويات أخرى ثانية، مستوى الوعى، القدرة على فضح المنافقين، قلة تأثير الإعلام على مشاهديه، انكشاف النوايا البغيضة لكل طرف سياسى، اكتشاف الناس لزيف الشعارات، الدينية وغيرها، إلخ.
قد تقول إن هذا لا يساوى شيئا أمام الأزمة الاقتصادية والأمنية ولن أجادلك، ميزان المميزات والعيوب ميزان داخلى يعتمد على تقييم كل فرد منا، لكن إن كنت تهتم أكثر بالعوامل التى ستؤثر على المدى البعيد فأنا أظن أن الاستثمار فى الثقافة الديمقراطية والاجتماعية بالتعلم من تجارب قاسية هو أهم المكتسبات التى نتمناها الآن.
لكن بعيداً عن هذه المقارنة وتقييم كل منا للحدث، يجب أن نضع فى حسباننا أن ليس هناك نهاية سعيدة أو تعيسة واحدة، وكل حدث يحدث هو مجرد خطوة لن تكون الأولى أو الأخيرة، يجب أن نتخلى عن عدم تخيل ما بعد الحدث، يجب أن نكون على قدر من النضج حتى نمنع أنفسنا من هذه الحالات من الهلع وانعدام السيطرة على مشاعرنا.
التاريخ أثبت أن دوام الحال من المحال دائماً، والكراسى دوارة، ومن كان أمس فى الزنزانة الآن هو فى الحكم ومن حكم عقوداً الآن فى الزنزانة والله وحده العالم من سيكون فى الحبس غداً، قد يكون أنا أو أنت لو استسلمنا لجلادينا ولكنه قد يكون أيضاً كل من سفك الدماء المصرية اليوم وهذا ما أتمناه وظنى بربى أنه سيقيم عدله ويحدث ذلك.
الغد لم يحدث بعد، نصنعه اليوم بأفعالنا، ويجب أن تكون أفعالنا نابعة من إيمان بأننا مع الحق وبابتسامة ثقة لا تخشى شيئاً، وحتى إن لم ننتصر غداً فغداً ليس آخر غد.