إحراق الدولارات فى محراب «قدس الأقداس»

بدايةً، أعترف بأننى لست من بين «مهووسى» تلك الساحرة المستديرة والتى تثير جنون غير قليلين، إذ إن أحدث معلوماتى عن كرة القدم لا تتعدى أنها -أى الكرة- مستديرة وليست مربعة.. وعلاقتى بكرة القدم لا تختلف فى كثير أو قليل عن علاقة عم عيد، أىّ عم عيد، بالخلايا الجذعية أو علم الجينات الوراثية‏!!.‏

وأقرّ، وأنا فى كامل قواى العقلية، بأن الاقتراب من «قدس الأقداس» فى حقيقته أشبه بمرور المرء فى حقل ألغام «معصوب العينين»، حيث لا يخرج منه ذلك «المتهور» الذى يدخله إلا أشلاء تتولى «ورثته» تجميعها بصعوبة بالغة بعد أن يكون قد ناله الكثير من «سهام التعصب» وبخاصة إذا كان الحديث عن الكرة يتناول جانباً سلبياً فيها‏!‏

ما حدث على الساحة الكروية قبل فترة غير طويلة، ولا يزال، أمر لا يمكن السكوت عنه على الرغم من أنه يعد تكراراً لممارسات سابقة وكثيرة، غير أن الظروف الاقتصادية التى يمر بها المجتمع حالياً وتنعكس سلباً على المواطن تجعل السكوت عما يحدث جريمة فى حق الوطن والمواطن‏ ويستحق مرتكبها «محاكمته» أو على الأقل «الحجر عليه» باعتباره «سفيهاً».‏

ففى الوقت الذى ينكمش فيه الجنيه «إلى درجة لا تستطيع رؤيته بالعين المجردة» ويتراجع أمام الدولار الذى أصبح توافره أقرب إلى الشقيق الرابع للغول والعنقاء والخل الوفى تتسابق أكبر الأندية الرياضية على إحراق مئات الآلاف من الدولارات شهرياً من خلال «ماراثون» لاستقدام مدربين ولاعبين أجانب يحددون مرتباتهم الشهرية فى مزاد محموم يستقر على رقم تسبقه على الأقل أربعة أصفار بالدولار‏ إن لم تكن خمسة وأحياناً ستة!!‏

القضية هنا ليست قضية الاستحواذ على «الكأس» أو درع الدورى العام لكرة القدم فى مسابقات محلية حتى وإن كان هذا الفوز بـ«أقدام الغير»، وهو ما يعنى أن الأندية قد تنازلت طواعية عن رسالتها فى تهيئة أجيال جديدة من اللاعبين وباتت أشبه بمن يُقدم على شراء درجات «الدكتوراه» من جامعات خارجية استقرت فى «بير السلم» فى بلاد «الخواجات».. أو أنها قضية تتعلق بـ«مستوى المدربين المصريين» الذين يمكن أن يكون من بينهم من هو أفضل من المدرب «الخواجة»، ولكنها فى حقيقتها قضية «وجاهة اجتماعية» لتلك النوادى فى سباقها للحصول على درع الدورى أو الكأس -حتى بأقدام الغير- فى مباريات تكفى أعداد المترددين من جمهور مشجعيها على عيادات الأطباء للعلاج من ضغط الدم بسببها للحكم على مستواها الفنى‏!!.‏

كبريات الأندية الرياضية لم تكتف بهذا الإهدار لعملات أجنبية نحن فى أمسّ الحاجة إليها، بل إن الأمر طال إلى حد إقامة معسكرات للتدريب فى الدول الأوروبية المختلفة، كما تقتضيها معايير السرية والتكتم، يشارك فيها بالتأكيد أعضاء الفريق الأساسيون والاحتياطيون والإداريون والأطباء والمترجمون وغيرهم من أصحاب الحظ، وإن لم تصل المسألة إلى المشجعين أيضاً كما ولو كانت إقامة مثل هذه المعسكرات محلياً ستتيح فرصة ذهبية للأعداء من الفريق الآخر للاطلاع على خطة التدريب‏!!.. أيضاً لم يتوقف القائمون على كرة القدم عند هذا الحد، بل لا يزالون يصرون على إحراق المزيد من هذه الدولارات من خلال استقدام «حكام أجانب» للتحكيم فى مباريات معينة لكرة القدم كما لو كانت مصر قد أصبحت عاقراً وليس لديها حكام يُستعان بهم فى بعض المباريات الدولية «لا كرامة لنبى فى وطنه»..!

كل هذا يحدث فى الوقت الذى تسعى فيه الدولة جاهدة إلى تدبير موارد جديدة من العملات الأجنبية اللازمة لتنفيذ خطة التنمية وتوجيهها إلى وجهتها الصحيحة بدلاً من إهدارها‏.

وقبل أن يسارع البعض بالقول إن ما تحرقه الأندية من دولارات فى «محراب قدس الأقداس» هى مساهمات وتبرعات من رجال الأعمال لأنديتهم وليست من بين موازنة الدولة‏، ‏ دون أن يتفكروا للحظة واحدة فى أن صعوبة واقع الاقتصاد قد دفعت الرئيس السيسى إلى مناشدة المواطنين التبرع حتى بجنيه واحد لصالح مصر لمواجهة أزمتها الاقتصادية.. فما بالك بملايين الدولارات التى تتصاعد أدخنتها فى الهواء إرضاء للبعض!

يا سادة، الأمر جد خطير يستوجب على القادرين ليس فقط التبرع ولكن أيضاً عدم السفر للخارج خلال الصيف للسياحة توفيراً للعملة الصعبة‏ حتى وإن كانت هى أيضاً ليست من موازنة الدولة بالطبع‏.. الأمر يستحق وقفة ومراجعة والبحث عن وسيلة أخرى لإحراق البخور «فى قدس الأقداس بدلاً من إحراق ملايين الدولارات..!!».