نصف مسلم.. نصف قبطى

المصرى هو المسلم القبطى فى آن واحد.. سبيكة مجوهرة، فكلنا نصف قبطى ونصف مسلم، والفرقة العابرة فى بعض العهود صنعها الاستبداد المدجج دوما بصناعة الفتن، لإلهاء الشعب عن جرائم النهب التى يقتات عليها بنهم مسعور لا يعرف فضيلة الشبع. والغريب أن الشيطان كلمة فى الأصل معناها المفرق المقسِّم؛ ومن ثم يلوذ الطغيان بزرع الفجوة الرجيمة بين القرناء الذين يرتشفون النسيم ذاته، والنهر ذاته يرويهم، والأرض تحتويهم، وهى أيضا الثقافة ذاتها المتعددة المتوغلة فى جينات كل مصرى يفخر بهويته التى يلفظها البعض. وصناعة الكراهية تبدأ بالتمييز وتابعه الاضطهاد، ثم الإبادة، كما حدث فى كنيسة القديسين، فاحتلتنى كلمات السيدة مريم فى الآية الكريمة «يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا».. وكان لابد بعد هذا الدنس أن تقوم ثورة تلملم أشلاء الوطن، فى حين لا تزال المستوطنات الفضائية تبث سمومها الطائفية وبعض دعاة الفرقة الجهنمية والتيارات العنصرية للإسلام السياسى تسعى لتفتيت تلك السبيكة العريقة. يقول نجيب محفوظ: «مشكلة الأقباط هى مشكلة الشعب؛ إذا اضطهد اضهدنا وإذا تحرر تحررنا». وأرفض تعبير «أقلية» على الأقباط، الشريك السرمدى لهذا الوطن، فعندما تسكن فى عقار فإنك لا توزع الحقوق والواجبات حسب كثافة ساكنى الشقق.. فهى ليست قضية عدد. إن مكرم باشا عبيد كان دوما خطابه الصادح فى البلاغة مرصعا بالقرآن الكريم، عندما كانت مصر تتحلى بالتسامح والتنوير وقبول الأنا الآخر. ولم أقل الآخر. وبكل الأسى نشهد اليوم من يروجون للرشوة الحلال وشراء الأصوات على أساس طائفى، ودغدغة مشاعر واحتياجات العوام، وغسيل المخ. وهو لا ينبع من عدالة اجتماعية، ولكن صدقة عابرة، بل رغبة فى إبقاء الفقراء على فقرهم وأسْرهم فى خانة الاحتياج المزمن. يقول جبران: «إذا جردنا الأديان مما تعلق بها من الزوائد المذهبية والاجتماعية وجدناها جيلا واحدا». نريد من الرئيس القادم أن يجمع لا أن يفرق، أن يمجد الحرية الإنسانية لكل مصرى فى المحروسة دائما، ما أجمل أن تشاهد صياغة التاريخ.