استمرار سياسة العناد التى كان مبارك يتمسك بها إلى آخر عهده ربما تودى بالحياة السياسية للإخوان المسلمين، فالحالة الاقتصادية أصبحت رثة يشهد عليها ارتفاع سعر الدولار، أو إن شئت فقل انخفاض سعر الجنيه، ثم الوقف المؤقت لهذا التدهور، مما أدى إلى حالة استقرار هش يحمله بالتأكيد الاحتياطى الدولارى بالبنك المركزى. كل هذه الأمور كانت مظاهر لقلة الاستثمارات، وانخفاض القروض والمنح التى قرر نظام الإخوان الاعتماد عليها بدلاً من سياسة التقشف المبنية على الضرائب التصاعدية، ورفض بعض القوى الخارجية إسقاط بعض القروض. كل هذا الأمر ارتبط -بالتأكيد- بتعطل العمل فى العديد من المصانع، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، تآكل المخزون الاستراتيجى من القمح والسكر. ومما لا شك فيه أن كل تلك الأمور كانت على صلة وثيقة بالمناخ السياسى المضطرب، والقائم على مواجهة التيار المدنى الذى أشعل الثورة مقابل محاولة تسيد من لحق بها من الإخوان والتيار السلفى.
بهذا المشهد، يصبح الشارع فى حالة غليان مستمر، ويصبح على كل القوى السياسية تحمل مسئولياتها.
الحكم عليه المسئولية الأكبر فى استعادة الوفاق الذى افتُقد منذ أن هلل للرئيس كل القوى السياسية بعد إخراج «العسكرى» من الساحة السياسية فى 12 أغسطس الماضى. ماذا فعل لكى يصل إلى هذا الوضع المزرى؟
نكث وعده بوجود حكومة وفاق قومى، نكث وعده بإعادة تشكيل «التأسيسية»، نكث وعده بدستور وفاقى، صمّ أذنه عن تنامى قوى التيار المدنى من الخُمس فى استفتاء 19 مارس 2011 إلى أكثر من الثلث فى استفتاء 15 ديسمبر 2012، تحالف مع السلفيين وتركهم بعضهم يعيثون فى الأرض، سواء باستخدام العنف أمام «الإنتاج الإعلامى» و«الوفد» و«الدستورية» و«القائد إبراهيم» دون رقيب أو حسيب، أو بالحض على الكراهية بين أبناء المجتمع من خلال تصريحات من يريدون للشريعة أن تكون وسيلة للتنكيل والملاحقة. وأخيراً وليس آخراً أشرك فلول النظام السابق فى تعيينات «الشورى» الأخيرة بعد أن أدخلهم مجلس الوزراء، والأدهى والأمر أنه راح يتهم التيار الآخر بالتعاون مع الفلول لمجرد رؤية بعضهم فى ميدان التحرير.
على الجانب المقابل، هناك مسئولية على التيار المدنى فى إصلاح وترميم ما تم تخريبه فى الأشهر الماضية. السبيل هنا انتخابات البرلمان القادمة. هنا يجب الوقوف أمام أسوأ المظاهر التى يظهر بها هذا التيار، وهى التشرذم المستمر كلما أمل الشارع فيه التوحد. المؤكد أن الفرصة هذه المرة لن تعوّض مرة أخرى، فهو حاصل على ثلث الشارع ممن قال «لا» للدستور، ومن الممكن أن يسعى إلى استثمار المقاطعين، وعددهم ثلثا الهيئة الناخبة. المهم فى المشهد أن يستطيع تأليف قوائم موحدة، حتى لا يتنافس أبناء هذا التيار مع أنفسهم لصالح الخصوم. المهم أيضاً أن يدق على سلبيات الخصوم ويستثمرها، فيفضح الأداء الاقتصادى الرث للحكم، ويستفيد من تشرذم السلفيين لأكثر من حزب.. إلخ.
كل ما سبق من المؤكد أنه لا يُغنى عن ضرورة لحاق الرئيس بركب الوفاق، لأن الكل فى مركب واحد. بعبارة أخرى على الرئيس الاستفادة من الأخطاء قبل فوات الأوان. وهنا المقصود عدم الانتظار لحدوث ما يشبه ثورة جياع لن تُبقى تياراً دينياً أو مدنياً، عندها سيكون التراجع عن سياسة العند أمراً حتمياً، لكن متأخراً. بعبارة أخرى سيكون لسان حال الرئيس قول فرعون «آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» فيرد عليه المولى عزّ وجلّ بقوله «آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ».