ليس منهم من خان الأمانة الوطنية

د. لميس جابر

د. لميس جابر

كاتب صحفي

قال النحاس باشا عام 1947 فى سياق حديثه عن انتمائه للحزب الوطنى ثم انضمامه للوفد ولسعد زغلول قبيل أحداث 1919: «لم يكن لدينا غير حقنا فى الحرية والاستقلال بدون تدخل أجنبى.. ثم صدق الوطنية والجهاد، وهو ما تمتع به جيلنا الذى نشأ على الأمانة الوطنية»، ثم يستطرد: «لا يقولن أحد إن من بين من قادوا هذا الشعب فى العصر الحديث من خان الأمانة الوطنية.. بل إن الفكر والتكوين والظروف والإمكانيات والإغراءات والأسلوب هو الذى يفرق بين هذا وذاك.. ثم هناك تطلع النفوس وطموحها مما يتعجل المكسب القريب الأقل ولا ينتظر البعيد الكامل.. وأكاد أقول: هكذا الدنيا وهكذا ساسة العالم».. انتهت كلمات زعيم الأمة لمدة خمسة وعشرين عاماً.. لم أنسَ هذه الكلمات منذ أن قرأتها منذ أكثر من عشرين عاماً.. وبعد قراءتى لسيرة زعماء مصر ما قبل 1952 قدّرت حقيقة هذه الكلمات، ورأيت أن إسماعيل باشا صدقى، الرجل الذى اشتهر بإلغاء دستور 23 وجاء بآخر يعطى صلاحيات أكثر للملك فؤاد والذى كان مقتنعاً بأن الديمقراطية نظام فاشل وأن الشعب المصرى تجمعه الصفارة وتفرقه العصا وأنه ملكى أكثر من الملك، ورغم كل ذلك، لم يخُن الأمانة الوطنية.. وعلى باشا ماهر الذى أقنع الملك فاروق بالاستعانة بشباب الإخوان لضرب شعبية الوفد والنحاس، والذى كان سبباً فى كراهية الملك الشاب للوفد والوفديين وللعداء بينهم الذى أدى بلا شك إلى سقوط العرش فى 1952 لم يقُل عنه النحاس -وكان عدوه اللدود- إنه خان الأمانة الوطنية أو أضرّ بمصر.. وحتى محمد باشا محمود، صاحب اليد الحديدية، الذى عطل الدستور أيضاً لم يوصم بهذه الصفات.. وكان النحاس باشا عدوهم السياسى الأول ولكنه قدّم لهم الأعذار وقيّم الأداء باختلاف الفكر والتكوين والظروف والأسلوب.. وبعد 1952 وبعد حركة الإقصاء الواسعة والظالمة لكل من كان ينتمى للنظام السابق سرنا على الدرب، وذاق عبدالناصر من نفس الكأس، وبعد وفاته صدرت عدة كتب ضده، بل وكتب بخست حقه فى إنجازاته حتى السد العالى الذى أصابه الكثير من التشويه ووُصف بالفشل.

ورغم اعتراضى أنا شخصياً على أشياء عديدة فى عصر عبدالناصر رأيتها بعد مرور السنوات.. فإنه لا يمكن إنكار أن مصر كانت تسمى باسمه فى جميع أنحاء العالم خاصة أوروبا، ولو كان مصرى يسافر للخارج ويسأله أى أجنبى عن جنسيته وقال: مصرى.. صرخ الأجنبى سعيداً: أنت من عند ناصر إذن؟.. ولكن للأسف لم يقيَّم عبدالناصر وعصره بالعقل، ولم نقل إنه بشر له وعليه.. ولكن كما هتفنا له أنكرناه وصرنا نلعن أيامه. ولكن رغم ما حدث من احتلال لسيناء أيام عبدالناصر كان لا بد أن نقول إنه أبداً لم يخُن الأمانة الوطنية.. ثم جاء السادات وتسلّم مصر فى حالة سيئة.. أرضها محتلة، والحرب واجبة وحتمية رغم الديون العسكرية وقلة السلاح والإمكانيات المتواضعة وتخلى روسيا عنا.. ولكنه تغلّب بالدهاء السياسى وبروح المقاتل المصرى الفذ. وبرغم قلة الإمكانيات خضنا حرباً رائعة وكان «نصراً محيراً».. ورغم اختلاف البعض على «كامب ديفيد» إلى يومنا هذا، ورغم خطأ السادات الفادح فى صلحه مع الإخوان والذى دفع حياته ثمناً له، لا بد أن نذكره بأنه صاحب القرار الصعب، وأنه كان يظن أنه يفعل ما هو لصالح الوطن، وأنه لا يمكن أن يكون خائناً للأمانة الوطنية.. وتسلم مبارك الراية فى موقف غاية فى الصعوبة، بلد رئيسه يُغتال فى يوم عيده.. جيشه مخترق.. الوضع ليس اغتيالاً لرئيس بل قلب نظام حكم بالكامل.. ولكنه رغم الصعوبات عبَر بالوطن وتسلّم سيناء ناقصة وقرر اللجوء للمحكمة الدولية وناضل الوفد المصرى لمدة ثمانى سنوات حتى عادت مصر بحدودها، واستردت ما سُرق منها.. ورغم اختلاف الكثيرين على سنوات مبارك وهل له إنجازات أم لا، إلا أنه لا بد لتقييم أيام مبارك أن يمضى الوقت الكافى، خاصة وقد تم إقصاء كل أفراد نظامه ورجاله الذين لا بد أن يتكلموا فى يوم من الأيام لتكتمل الصورة. ولكن فى العموم قد ترك الرجل الأمانة سليمة بحدودها وحريتها بلا قواعد أمريكية ولا تدخل أجنبى، وترك جيشاً قوياً أبياً كان ملاذنا فى إنقاذ الوطن من براثن قراصنة القرن الواحد والعشرين، جيشاً أهدانا بطلنا ورئيس مصر الحالى.. كل له أخطاء، وهكذا السياسة والأداء المتباين، ولكن لا يمكن أن نقول إنه خان الأمانة الوطنية.. ولا بد أن يكون له وعليه.. لا بد أن نتوقف عن سباب حكامنا المصريين الشرفاء الذين هم منا ونحن منهم، خاصة أن زعماءنا من 1952 وحتى يومنا هذا ينتمون لمؤسستنا العسكرية الأبية.. ومرة أخرى: «لا يقولن أحد إن من بين من قادوا هذا الشعب فى العصر الحديث من خان الأمانة الوطنية».