فى سوهاج وفى عام 1948 شهد الفتى رشاد البيومى، الذى كان يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما، مشهدا لم تره عينه من قبل.. حشودا تتجه نحو شعبة لجماعة الإخوان المسلمين صائحين مكبرين مهللين ينشدون أهازيج الجهاد والعداء لليهود، ثم يسجلون أسماءهم للذهاب للجهاد فى فلسطين.. كان من بين هؤلاء معلم البيومى الذى كان يحبه حبا شديدا، وكان اسمه محمد العدوى، أحد كبار الإخوان فى الدقهلية فيما بعد، والذى ألقت به الأقدار حينها إلى سوهاج.
روى العدوى للفتى الصغير ما أحدثه اليهود فى فلسطين من مذابح، وما يهدفون إليه من الاستيلاء على الأقصى وتدميره وبناء الهيكل مكانه، انتابت البيومى حالة من الغضب وولدت لديه رغبة فى الانتقام، وزرع فى وجدانه حب الإخوان، وتألم حينها لأنه لم يذهب مع طلائع المتطوعين الذين رفضوا انضمامه لصغر سنه.
سرعان ما انتقل البيومى إلى القاهرة عام 1951، وهو يحمل مشهد اغتيال البنا فى مخيلته، وليشهد ذروة الاضطراب والسخونة فى القاهرة، لكنه كان مولعا بالجهاد، فدفع نفسه دفعا للاشتراك فى معركة القنال التى لا يرغب إلى الآن فى التحدث عنها خشية أن يضيع أجرها عند الله.
تولى البيومى مسئولية الطلاب بكلية العلوم فى أوائل 1954، وقبض عليه فى العام نفسه وألقى به وراء أسوار السجن الحربى.. عذب تعذيبا قال عنه: «لا يتحمله بشر»، لكنه رغم صغر سنه لم يتراجع ولم يخضع للضغوط التى طالبته بأن يكتب ولو كلمة تؤيد الثورة والرئيس عبدالناصر، واقتدى فى ذلك بمن كان مغرما بهم، وهم الثلاثة الأكثر صلابة فى الإخوان (كمال السنانيرى، وأحمد شريد، ومصطفى مشهور).. خرج البيومى عام 1965 ومكث خارج السجن 24 يوما فقط ثم عاد إليه مرة أخرى.
تعرف البيومى فى السجن على حسن عبدالمنعم الذى تزوج من أخته بعد خروجه، وعبدالمنعم كان من رجال النظام الخاص القديم ضمن خلية إمبابة التى اتهمت بأنها شاركت فى محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر، ثم سافر إلى أوروبا وعاد ليكون نائبا لمدير عام مصانع الشريف.. لكن البيومى لم يكن رجل مال، فلم يحاول الاستفادة من الثروة الطائلة التى انهالت من بعض إخوان الخارج على شركة الشريف وغيرها وقتذاك، ولم يستغل موقع صهره، وما زال إلى الآن يعيش على راتبه من الجامعة، ولم تربطه بصهره إلا صلة النسب والتنظيم. رجع البيومى طالبا بكلية العلوم وانهمك فى دراسته أوائل السبعينات وتخرج بتقديرات عالية وعين معيدا عام 1974 وحصل على رسالة الماجستير 1977 وعلى الدكتوراه عام 1980.. شهدت هذه الفترة بناء جماعة الإخوان المسلمين فى مصر، لكن البيومى لم يكن له دور يذكر فى هذه الفترة بسبب ما أرجعه هو إلى انشغاله فى الدراسة والبحث، لكن ثمة رأيا يرى أن البيومى لم يكن مقتنعا بالعمل الطلابى فى هذه الفترة، كما كان يرى فى تلك المجموعة خللا فى التأسيس والتربية والأفكار التى لم تكن تتسق مع مناهج الجماعة ونظمها الأساسية من منظوره.
لم يطب له المقام فى مصر فسافر إلى ألمانيا والتحق بقيادات الإخوان هناك، واستمر شهورا بجوار الحاج مصطفى مشهور، لكنه اختار أن يذهب إلى جامعة العين فى الإمارات، أو إنه أُرسل لها كما يشك البعض، وكان هناك تنظيم للإخوان يضم الدكتور بهجت حسن الأناضولى وبدرالدين غازى، ويروى البعض أن هناك اشتباكا تنظيميا حدث هناك بين البيومى وهذه المجموعة، لكن السجال فى النهاية كان فى صالح البيومى الذى أخضع التنظيم هناك لسيطرته.
عاد البيومى عام 1989 ليتولى مباشرة الإشراف على قسم الطلاب، وهو أخطر أقسام الإخوان، وكان يتولاه فى ذلك الوقت عبدالمنعم أبوالفتوح، ويسيطر عليه أبناء جيله بحكم أنهم بُناته ومكونوه.. اعتبر البعض أن تولى البيومى هذا القسم كان بمثابة أولى الخطوات للاحتواء والسيطرة على الجيل السبعينى النشط الذى يرجع إليه الكثيرون الفضل فيما يسمى بالتأسيس الثانى للجماعة. لم يتولَّ البيومى مسئولية الطلاب بهدوء، لكن توالت حركات التمرد عليه ولم يستطع أن يسيطر عليها فى البداية.. كانت أولى هذه الأزمات ما عرف وقتها بفتنة الدكتور محمد رشدى، وملخصها أن مسئول الحى الذى كان يقيم فيه رشدى، وهو محمد العريشى، طلب من رشدى تسليمه أسماء تنظيم جامعة الأزهر لتخضع لمسئوليته مباشرة، لكن رشدى ومجموعته رفضوا الانصياع لمطلب العريشى بعد مفاوضات عسيرة، فتم فصل رشدى ومعه ما يقرب من 200 من الإخوان، وأبلغوا محافظاتهم بقرار الفصل.
كما شهدت علاقة طلاب الإخوان فى الجامعات بالأمن الجامعى اضطرابا كبيرا منذ التسعينات وإلى الآن، لكن البيومى أرجع ذلك إلى أجهزة الأمن التى شددت حصارها على الجماعات فى هذه الفترة. لكن ثمة رأيا آخر يرجع هذا التوتر إلى طريقة إدارة هذا الملف فى الجماعة والابتعاد فى بعض الأحيان عن المرونة وتفويت الفرص على الأجهزة الأمنية التى يعرف الإخوان قبل غيرهم أنها تترصد لهم فى بعض الأحيان وتنصب لهم الشَّرَك وتنتظر منهم الهنات والهفوات. ودائما ما يعود البيومى إلى الماضى، ويشدد على عدم نسيانه؛ لأن تاريخ الإخوان المجيد سطرته دماء الشهداء ودموع الثكالى والأرامل.
كثيرون حدثونا عن حدته وخشونته وضيق صدره، لكننا لم نعدم ممن خالطه عن قرب من أكد لنا أن كل ما سمعناه لا يعدو أن يكون قشرة تكسو رجلا رقيقا مشجونا زاهدا.
أخبار متعلقة:محمود عزت..الحارس الأمينمحمود حسين"الغزاوى"المنكوبمصر فى قبضة"النظام الخاص"للإخوانسمات النظام الخاصمحمد بديع..مرشد التمكين"من الإنشاد إلى الإرشاد"جمعة أمين..صانع العقل الإخوانى