كأنَّا ظلمناك

هشام علام

هشام علام

كاتب صحفي

- كلما رأيت «كادراً» إخوانياً يسير على قدمين ترحمت عليك، وكلما نطق عريانهم وتجبر شاطرهم أيقنت أنك يوم ألجمت أفواههم كنت كما زرقاء اليمامة، أحطت بما لم نحط به خبرا. - كلهم يحملون رتبة رئيس راحل، ووحدك سماك شعبك الزعيم الخالد، طبيعى أن يحسدوك سرا وعلنا، إزارك واسع عليهم، وهيبتك لا تليق بهم، ووقارك وتبسطك أتعباهم جداً، حاولوا جهدهم أن يتشبهوا بك وما فلحوا، فراحوا يهيلون عليك التراب «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ»، لم يتطلب منك الأمر أن تخطب فى المساجد ليعرفوا أنك الرئيس المؤمن، أو يتحدث أتباعك عن حرمانك من «طشة الملوخية» ليعرف الفقراء أنك قريب منهم، أو تفتح صدرك بين حراسك، ثم تجوب بسيارة مكشوفة داخل استاد مغلق معبأ بعناية، ليقال إنك لا تخشى أحداً، عبثاً حاولوا أن يشيعوا أنك مت، جهلاً منهم ظنوا أن الجسد الساكن يعنى أنك مت، يثور الشعب العارف قدرك ويصبّر نفسه «بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ»، يتدثر شابٌ ثائر برداء ابن الخطاب «من قال إن القائد مات سأضرب عنقه»، فيقول نزار كأبى بكر: «السيد نام.. القائدُ لم يذهبْ أبداً/ بل دخلَ الغرفةَ كى يرتاح/ وسيصحو حينَ تطلُّ الشمسُ/ كما يصحو عطرُ التفاح/ الخبزُ سيأكلهُ معنا.. وسيشربُ قهوتهُ معنا/ ونقولُ لهُ.. ويقولُ لنا.. القائدُ يشعرُ بالإرهاقِ.. فخلّوهُ يغفو ساعات». - لماذا أطلت الغياب؟ أبوحك سراً، كنا جيلاً تائهاً ضائعاً، أغلبنا لم يعاصرك، سمعناك خطباً، شاهدناك أفلاماً، وعرفناك من حكاوى الآباء والأجداد وصور باهتة فى حوانيت البقالة إلى جوار آية الكرسى، لكنا أحببناك، وحملنا فى صدورنا سراً، أن الرئيس يكون أنت، يتحدث مثلك، يمشى خطوتك، يضحك كما يتبسم ثغرك، حتى شيب الرأس، حدة البصر، انتصاراته أنت، وانكساراته التى تعكس رجولته، فلا مفر من أن يكون كما كنت، ورغم ذلك، ولأنّا رضعنا فوق العنادِ عناداً، نرفض جداً أن يتم تصنيفنا ناصريين أو ساداتيين أو جيل المستقبل، بالطبع لسنا إخواناً، لكنّا عشنا المرحلة «المسخ»، نسمع عن دور مصر ولا نراه، نفكر فى الهرب إلى شقيق خليجى ونخشى «الكفيل»، عشنا مهانين فى الداخل مقموعين فى الخارج، وحين عزمنا على الثورة، حلم كل منا فى داخله أن يصبح مثلك، لكن زدنا على العناد عناداً وقلنا إن الرئيس الجديد لا ينبغى أن يكون زعيماً، ماذا أخذنا من الزعيم؟ حاولنا أن نتقبل وجوهاً بلا ملامح، شخوصاً بلا شخصيات، ألسنتهم لا تترجل، أيديهم مرتعشة، أفواههم معقوصة من اعتياد الصمت، بحثنا فى داخلهم عن الأمل، فما زادونا إلا إحباطاً وتكديراً.. يا مَن تبكونَ على ناصر.. السيّدُ كانَ صديقَ الشمس.. فكفّوا عن سكبِ العبرات.. يسألُ عن مصرَ.. ومَن فى مصرَ.. ويسقى أزهارَ الشرفات.. ويصلّى الجمعةَ والعيدينِ.. ويقضى للناسِ الحاجات - وكأنما أنت التميمة.. فعُد، نستحلفك بخالد وعبدالحكيم، عُد، وبالنيل وطور سينين وهذا البلد الأمين، عُد، نستحلفك بماء «القنال» ومجمعات الحديد والصلب والألومنيوم، نستحلفك بالتهجير وبمبعد حتشبسوت، عُد فى أى زمان شئت، وبكل شروطك، لكن لا تتركنا فى هذا التيه. ما زالَ هُنا عبدُالناصر.. فى طمىِ النيلِ، وزهرِ القطنِ.. وفى أطواقِ الفلاحات.. فى فرحِ الشعبِ.. وحزنِ الشعب.. وفى الأمثالِ وفى الكلمات ما زالَ هُنا عبدُالناصر.. من قالَ الهرمُ الرابعُ مات؟