قانون الجرائم الإلكترونية

عُرض على البرلمان مسودة قانون الجرائم الإلكترونية، الذى قيل إن الهدف منه هو محاربة الإرهاب والحد من الجرائم التى تهدد الأمن القومى، وفى الحقيقة يبدو أن الهدف سامٍ فلا أحد طبيعياً قد يوافق على إرهاب أو تهديد فى بلده، لا سيما لمن لا يملك القدرة على سلخ جلده والهجرة إلى بلد آخر.

لكن ما ورد فى القانون يعكس العديد من التساؤلات: لماذا نحن بحاجة إلى قانون جديد ولدينا قانون ينظم جرائم الإنترنت بالفعل وقانون للإرهاب أيضاً؟ وما آليات التنفيذ؟

فى ظل تجربة قانون جرائم الإنترنت لم يكن التنفيذ يهدد الأخلاق فى وقت كان مستخدمو الإنترنت 10 ملايين مستخدم. الآن وقد أصبح مستخدمو الإنترنت 40 مليوناً ويزيدون كل يوم، هل تخيل مقدمو ومشرعو القانون حجم الجهاز الأمنى والقدرات الفنية المطلوبة لمتابعة كل هؤلاء أم سيتحول الأمر إلى مطاردة لحسابات شخصية لكل مسئول يشعر بعدم الارتياح فى النقد حتى لو كان موضوعياً وعلى أسس محترمة ليحوله إلى جريمة لنجد كل المصريين مطاردين فى سجن كبير؟

هذا على مستوى التطبيق، أما على مستوى المحتوى ففى قراءة لبعض نصوص القانون يتضح أن هناك عدة مناطق لا يمسسها القانون (الأمن القومى - العلاقات الدولية - العلاقات الاقتصادية بين الشركات الدولية ومصر - حرية الرأى والتعبير) والحقيقة أن النصوص بشكلها الحالى تعكس الحاجة إلى فهم عميق لهذه المفاهيم والمناطق.

فقد طرح القانون فى العديد من النصوص عقوبات قاسية لجرائم جاءت تحت مصطلح تهديد الأمن القومى. وليس لدينا مفهوم واضح لمصطلح الأمن القومى أو ما قد يهدده، فمسرحية قام بها صغار تم سجنهم باعتبار أن ذلك قد يؤجج الفتنة الطائفية ويهدد الأمن القومى، لكن المعالجة الجنائية أشاعت صورة عن مصر داخلياً أننا على استعداد لسجن أطفال يلعبون ويعبرون سلمياً، بدلاً من إشاعة ثقافة التسامح مما أثار حفيظة جزء كبير من المواطنين المسيحيين فى وقت يتعرضون ليل نهار لسب وازدراء دينهم وإيمانهم ولا يتم معاقبة من يقوم بذلك، ما جعل الأمر يظهر بصورة انتقائية وحسابات أو تقديرات شخصية.

أما على المستوى الخارجى فقد أشاع أننا بلد يفتقر للحرية وينتهك الحقوق ولا يسلم من ذلك حتى الأطفال، وهو فى تقديرى تواتر هذه المعالجة وسجن الناس على خلفية الرأى هو ما من شأنه أن يهدد الأمن القومى.

أيضاً على مستوى النص على فرض عقوبات على الشركات تتعدى عشرات الملايين إذا لم تفرج عن معلومات يرى من يطلبها أنها تؤثر على الأمن القومى دون تقديم تعريف واضح ومعايير موضوعية يدخلنا فى إشكاليات كبيرة على مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية، فمصر تعمل بها شركات اتصالات عملاقة عابرة للدول والقارات، منها شركات لم تستطع حتى المخابرات الأمريكية الضغط عليها للإفراج على معلومات مستخدميها. لذا كيف يعتقد مقدم المشروع أو البرلمان بأن لديهم القدرة على إجبار هذه المؤسسات على إفشاء معلومات عن مستخدميها تحت مبرر غير محدد الملامح.

لماذا يعتقد البرلمان أن مصر تعيش فى جزيرة منعزلة منبتة الصلة عن المجتمع الدولى سواء سياسياً أو اقتصادياً، فى وقت نشكو ليل نهار من مؤامرات كونية تمنع الشركات الكبرى من الاستثمار فى مصر؟!

إذا كان المجتمع من الداخل ومصالح المصريين لا تعنى البرلمان فعلى الأقل من أجل هذا البلد لا بد من إعادة النظر فى إصدار هذا القانون، فلا ينقصنا مزيد من العبث فى قانون هناك صعوبات لوجستية تجعل تنفيذه مستحيلاً، ولن نجنى من ورائه سوى افتقار الشرعية فى الداخل وسوء السمعة فى الخارج وربما ما هو أخطر.