9 شارع عدلى

ناهد صلاح

ناهد صلاح

كاتب صحفي

كلما دلفت إلى هذا الممر الصغير من شارع عدلى فى وسط البلد، لا أقاوم خفقان قلبى عند هذا الخط الفاصل بين عالمين: صخب الشارع الرئيسى وهدوء جانبى؛ بائع الحقائب على رأس الممر ينفض الغبار عن حقائبه وربما يساعدنى إن تعثرت خطواتى، وما إن أصل إلى بوابة العمارة رقم (9) لا بد أن أقف قليلاً فى بهوها وتحدّق عيناى فى الأعلى حتى تصادف لافتة المركز الكاثوليكى قبل أن أطلع الدرج على مهل، كل شىء من حولى واقعى؛ لكنه رهن الخيال وكأن بوابة العمارة العتيقة انفتحت على فيلم مصرى قديم تتداخل فيه الألوان، يتأكد هذا الشعور بمجرد دخولى المركز؛ يفيض المكان بناسه وإيقاع يحل فيه النظام بكل ما أوتى من معنى وعنفوان، المائدة المستطيلة تتوسط الصالة المرتبة التى تخطفنى الصور القديمة على جدرانها والكتب القديمة المحفوظة فى دواليب خشبية، قبل أن أقتنص الفرصة وأطل من شرفتها على شوارع وسط القاهرة وأرصد الوجوه المتعبة تسير بجوار أبنية يقولون إن جهاز التنسيق الحضارى يعمل حالياً على تجديدها، فيما أحاول أن أهرب من هواجس المدينة الكوزموبوليتانية التى ضاعت ومن السؤال الكونى عن التحول فى المسار الجغرافى والتاريخى والجمالى.

ربما امتلك أرشيف المركز الكاثوليكى إجابة ما عن السؤال، هو ليس مجرد أرشيف فنى؛ بقدر ما يختصر أحوال مجتمعه من خلال أفلامه ونجومه، تاريخه السينمائى الذى يقف على سياج تحولاته السياسية والاجتماعية، أرشيف ومكتبة سينمائية متنوعة تنقذ الباحثين السينمائيين أمثالى من بؤس ندرة المصادر، ويأخذ بيد آخرين لا تتاح لهم فرصة الولوج لأرشيف المؤسسات الصحفية؛ إن وُجد كاملاً من الأساس، وأتذكر أنه قبل عامين عندما كلفنى الناقد الكبير كمال رمزى بكتاب عن الفنان حسين صدقى؛ واحد من إصدارات مهرجان القاهرة السينمائى، وتعرقلت محاولاتى فى الوصول إلى أهله أو المقربين منه، أنقذنى أرشيف المركز الكاثوليكى فى توفير الكثير من المعلومات التى أتاحت لى رسم بورتريه مختلف عنه، وللعاملين فى المركز جهدهم الخاص فى التوثيق والتعامل مع الباحثين أو المحررين الفنيين بوعى يبلور فكرة الأرشيف الذى أسسه فريد المزاوى وضم ملفات كاملة لكل ما أنتجته السينما المصرية منذ العام 1927 ليكون مرجعاً مهماً وطاقة نور لها القدرة على صوغ معطيات للانفتاح على المعرفة والوعى الثقافى والنقدى وإزاحة العتمة، وهو ما يواصله فى هذا الحاضر الصعب، الأب بطرس دانيال مدير المركز ورئيس المهرجان الكاثوليكى للسينما المصرية، الذى ينظمه المركز كحلقة من حلقات التفاعل لمؤسسة تنويرية تجمع بين الدين والثقافة وتدرك تأثير السينما فى المجتمع وكيف أن الفن عموماً يمكن أن يكون المايسترو يقود روحاً، وعلى هذا الأساس تكوّن أيضاً كورال كنيسة سان جوزيف فى العام 1990 الذى يشارك فيه الأب بطرس دانيال بعزف البيانو ومؤلفاته الموسيقية، وقدم الكورال حفلات عدة فى كندا وسويسرا وشارك فى العديد من المسابقات الدولية والبرامج التليفزيونية بأغانى الطفولة، منحى آخر يصنع الحياة ويبنى قواعد لغد يتأسس على المحبة، كما أخبرنى الأب بطرس لما دعانى إلى زيارة مستشفى 57 لعلاج سرطان الأطفال مع وفد من الفنانين، زيارة معنوية للاحتفاء مع الأطفال بقدوم شهر رمضان وزيادة على تأكيد الدور الاجتماعى للفن الذى يدعمه المركز الكاثوليكى، حيث يقرع كل أجراس الأمل ويعلن موقفه فى البناء ويلجأ لكل طرق وجسور التواصل، فلا يسعنى سوى أن أردد معه، ونحن على أبواب شهر رمضان الكريم الذى نرجوه وقفة لاستعادة إنسانيتنا، من كلمات القديس فرنسيس الأسيزى: يا رب استخدمنى لسلامك، فأضع الحب حيث البغض، و.. و.. النور حيث الظلمة والفرح حيث الكآبة.