حدثني عن الإنسان

بسمة حسن

بسمة حسن

كاتب صحفي

مررنا بأسبوع حافل وثقيل حمل في جعبته الكثير من الأحداث الجنونية المتشابكة ليس تشابكا نوعيًّا أو مكانيًّا بقدر تشابكها إنسانيًّا، فإذا أردنا وضع عنوان مناسب يشمل جميع هذه الأحداث لن نجد جملة جامعة مانعة شاملة أفضل من "حدثني عن الإنسان"، ولا أعلم لماذا خطرت في بالي جملة "ابحث مع الشرطة" حينما كتبت هذا العنوان، لعلنا ندرك السبب في السطور التالية.

الطبيعي أن الإنسان وكما يعرفه موقع "ويكيبيديا" هو العاقل الوحيد الذي يمتلك خلافًا لبقية الحيوانات على الأرض دماغًا قادرًا على التطور والتفكير المجرد، واستخدام اللغة والنطق والتفكير الداخلي الذاتي، وإعطاء حلول للمشكلات التي يواجهها، كما يعرفه أيضًا بأنه كائن اجتماعي بطبعه، ولكن بشكل فريد بارع في استخدام نظم التواصل للتعبير عن الذات، وتبادل الأفكار والتنظيم، كذلك يقوم الإنسان بتنظيم هياكل اجتماعية معقدة بالمشاركة مع مجموعات متعاونة ومتنافسة، بدءًا من تأسيس العائلات وانتهاء بالأمم، المفروض يعني!.

هذا هو الإنسان الطبيعي، طيب.. ماذا حدث في ذلك الأسبوع الكئيب؟، تفرقت الأماكن وتنوعت الأحداث والفاعل واحد.. هكذا رأيت، أبرز الأحداث التي استرعت انتباهي أربعة وكل منها في بلد ومكان مختلف عن الآخر حيث استطاع هذا الأسبوع أن يعبر بنا القارات ويأخذنا في جولة بين أربع بلدان كان بطل حوادثها جميعًا - بعيدًا عن الجنسيات - "الإنسان"، الحادث الأول في مصر وهي الواقعة الجلل المتعلقة بـ"أحداث المنيا"، والواقعة الثانية في أمريكا والتي لم يكن وقعها أقل صدمة من سابقتها وكانت "خلافات الفنان العالمي جونى ديب مع زوجته آمبر هيرد"، الواقعة الثالثة في الكويت وهي ما تخص "إهانة كفيل لعامل مصري"، والرابعة والأخيرة في الصين وهي (إجبار الفتيات اللائي تعدين سن الـ"25" على الزواج(.

نبدأ بحادث أبو قرقاص بالمنيا الذي ما زالت أصداؤه وملابساته تتأرجح بين النفي والإثبات حتى الآن، "الست اتعرت ولا ماتعرتش الشاهدة كاذبة أم صادقة"، إلا أن الحقيقة الوحيدة المفروغ منها والتي تعكسها هذه الأزمة أن هناك خللًا إنسانيًّا ما، وميلًا متجليًا للعنف لا يمكن إخفاؤه ولا يرتبط بديانة أو عقيدة، هذا هو الشيء الثابت والمؤكد الوحيد الآن، اطلعت على تفاصيل الحوادث الأربع إلا أن تفاصيل كل حادث على حدة لم تكن شاغلي بقدر اهتمامي بالرؤية البانورامية للأربع وقائع.

"فتنة طائفية".. الكلمة التي أكل عليها الدهر وشرب وباتت مهترئة يتشدق بها كل من أراد أن يعفي نفسه من المسؤولية، ومن التقاعس والإبطاء والاستنطاع في تطبيق القانون على المخطئ أيًّا كان، بغض النظر عن ديانته وعن انتماءاته وعن المحافظة التي ولد بها خاصة إذا كانت في أحضان الصعيد، حدثونا عن الإنسان بعيدًا عن أيديولوجياته ومعتقداته، من أخطأ فليحاسب على الفور، لا تقذفونا بمصطلحاتكم وتابوهاتكم التي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع، والتي زادت الطين بلة باستغلالها في الاستعراضات السياسية، لماذا تظهر أعراض الفتنة على شاشات التليفزيون بينما تختفي في الأزقة والحارات اللهم إلا بعض الحالات الشاذة، المشهد باختصار يتمحور بين أمرين اتهام زوجة بالـ"خيانة"، واتهام هذه الزوجة لزوجها بأنه "عايز ياكل حقها"، هذا كل ما في الأمر، حيث ذكرت الزوجة المتهمة بإقامة علاقة غير شرعية مع فرد من أفراد العائلة المقابلة أن زوجها هو من اختلق هذه الواقعة لتطليقها وسلبها جميع حقوقها، من الآخر عك مجتمعي ومشاكل جيرة وعركة ملهاش أي لازمة، ليه بقى نسيبها مجرد خلاف بين مجموعة من "البني آدمين"، لأ لازم الكل يفتي ويهب الجميع للحديث عن حدوتة قبل النوم القديمة الخاصة بالمسلمين والأقباط وظهور الاقتراحات "المتفذلكة" التي ستزيد فتيل الأزمة اشتعالًا كإلغاء الديانة من البطاقة، فمن إذن يخلق الفتنة؟.. كفانا افتكاسات أرجوكم.

"البرج العاجي".. يبدو أن الفنان العالمي جوني ديب أصابته عين حسود "جابته الأرض"، فبعيدًا عن فرحة معجبات النجم الوسيم العارمة بطلاقه، وقع خبر انفصال النجم المتميز كالصاعقة على الجميع، وخاصة أن هذه الفضائح التي تتعلق بالخلافات الزوجية يمكن تقلبها نوعًا ما إذا صدرت عن فنانين عرب فيما يمكن أن نضعه ضمن ما يطلق عليه "عقدة الخواجة"، لهذا تفاجأ البعض وأصابته الدهشة، طب ليه؟، دائمًا ما يضع الجمهور النجم في برج عاجى ويجردونه أحيانًا من صفاته البشرية والإنسانية فإذا ما قام بفعل تقتضيه "طينيته" أصابهم الذعر، فلماذا لا نراه كإنسان؟.

الحادثة حام حولها العديد من التساؤلات حول ما إذا قام الفنان المحبوب بالتعدي على زوجته بالضرب نتيجة لضغوط ما أبرزها طلبها للطلاق تزامنًا مع وفاة والدته، وأمور جديدة بدأت تتكشف في الأفق عن رغبة هيرد في الحصول على النفقة الزوجية والاستيلاء على نصف ثروة ديب المقدرة بـ400 مليون دولار وفقًا لقوانين الطلاق في كاليفورنيا، خاصة بعد ظهور وثائق تؤكد المبالغ الباهظة التي أهدرتها لتلبية مصاريفها الشخصية خلال فترة زواجها من ديب، هذا بالإضافة إلى ميولها الجنسية المثلية وعلاقتها بعارضة الأزياء العالمية كارا ديليفين، حيث كان الثنائي يلتقيان بشكل متكرر في الفترة الأخيرة وهو ما أصاب ديب بالجنون، كما أنها كانت متزوجة سرًّا وبشكل غير قانوني من فنانة ومصورة تدعى تاسيا فان ري منذ 8 سنوات، حسبما ذكرت صحيفة "ديلى ميل" البريطانية.

الشاهد في الواقعة أن ما حدث لا يقلل من نجومية الفنان العالمي خاصة بعد التلميحات التي وجهت إليه من زوجته بربط ما يقدمه على الشاشة وأدواره غير المألوفة بتصرفاته في الحقيقة، وغيرها من الأمور التي لا تمت إلى النظرة الإنسانية بشيء، فهو كسائر البشر يغضب ويحب ويكره ويحزن ويتألم إضافة إلى أن الأمر ما زال ملتبسًا حتى الآن، الصفات البلاستيكية التي عادة ما تلتصق بالنجوم لا محل لها من الإعراب.

"حالة فردية".. "حالة فردية وهتحصل تاني ولا تعبر عن سلوك الأشقاء الكويتيين" هكذا كان رد وزيرة الهجرة على واقعة إهانة كويتي لعامل مصري، أنقذ الله شبابنا جميعًا في شتى بقاع الخليج من قبضتهم الدامية، وذلك بعد أن سبه بألفاظ بذيئة وقام بتصويره عاريًا.

في مثل هذه المواقف الحساسة مع إخوانا "العرب" غالبًا ما ترق نغمة المسؤولين، فلماذا لا تحدثوننا عن الإنسان؟، عن الجاني والمجني عليه بغض النظر عن جنسيته، هبت المسؤولة على الفور مدافعة عن الأشقاء الكويتيين في حين يعاني الآلالف من خيرة شبابنا من نظام الكفيل ليس فقط في الكويت، وبحسب أستاذ قانون دولي فإن هناك قوانين داخلية بعدد من دول الخليج تخالف المواثيق الدولية ومعاهدات حقوق الإنسان على رأسها نظام الكفيل، كما أن أغلبهم مُصَدقون عند دولتهم ولا يخضعون لرقابة كافية تلزمهم بمراعاة حقوق العامل وآدميته.

"بقايا امرأة".. التخلف والأفكار العفنة ليست حكرًا على أحد، "آه والله زمبؤلكم كده"، هنا في مصر يطلق على الفتاة التي تعدت عامها الثلاثين لقب "عانس" فنصرخ ونصول ونجول ونندب حظنا أن أوقعنا الله في بقعة بها كل هذا الكم من التخلف والرجعية، ونتساءل هل ما زال هناك على كوكب الأرض من يفكر بتلك الطريقة، قابل بقى يا معلم.. في الصين تواجه الفتيات فوق عمر الـ25 عامًا فقط قهرًا يفوق ما نتحدث عنه بمراحل، فلقب "بقايا امرأة" هو المصطلح الذي أطلقه الصينيون على الفتاة التي تصل لتلك السن، ولم تتزوج بعد حتى إن الأمر وصل لعرضهن فيما يسمى "سوق الزواج" لاقتناص زوج على وجه السرعة، حسبما ذكر موقع "بازفيد" الأمريكي.

الرجعية والانحطاط الفكري لا يتوقف عند جنس بشري بعينه ولا تحده دولة أو منطقة، فلا تحدثني بلغة المكان والجنس والعرق واللغة والفقر والثروة، حدثني فقط عن الإنسان.