الأفكار x الحوار

برأى «مسبق وغير قابل للتغيير»، يجلس معظم المصريين لمتابعة خطابات وحوارات الرئيس. لا أحد - تقريباً - يغير رأيه مهما قال الرجل من حقائق ومعلومات كفيلة بإحداث تغيير فى الرأى - المعتمد شخصياً - بزاوية لا تقل عن ١٨٠ درجة، فالمتابع ثابت على قناعته المتحجرة: «مع» أو «ضد».. ولا شىء بينهما.

دعك من تلك المسألة، وتعالَ نفتش عن «المفيد» فى حوار المناسبة اللافتة: مرور عامين على وجود الرئيس فى «وش المدفع»، أو «قصر الاتحادية».. اختر أحد الوصفين كيفما شئت. (ملحوظة: أنا شخصياً أراه تصدياً انتحارياً لرجل اعتاد على «الاستدعاء» و«تنفيذ المهمة» دون لحظة تردد، لأن التردد فى تنفيذ الأمر - وقت المعركة - خيانة عظمى).

لن آخذك إلى منطقة جدل من عينة «إيه الجديد» و«فين المعلومات» و«إيه رأيك فى أداء المذيع». بالتأكيد سئمت من تلك «الحوارات» فى كل الحوارات. فقط سأذهب معك إلى «منطقة الأفكار» فى الحوار الرئاسى الأخير، لأن تلك المنطقة - رغم أهميتها البالغة - غالباً ما تكون «مهجورة» لصالح منطقة إثارة الجدل التى «إن لم تؤخر.. لا تؤدى إلى أى تقدم». تعالى - لو تسمح لى - نضبط زوايا الاتزان العقلى بداخلنا، ونفكر - ولو مرة - فيما يستحق التفكير، بعيداً عن «اللت والعجن فى كلام فارغ».

■ حديث «الذات المصرية»

ليست القضية فى «صك» مثل هذا المصطلح، فكم من المصطلحات البراقة التى يقدمها البعض، وما إن تضعها على «طاولة العقل» لمناقشة مدى تطبيقها على أرض الواقع حتى تجدها خالية من أى مضمون. هذا المصطلح - بعكس غيره - يعبر عن فكرة واضحة، يمكن ترجمتها بشكل أكثر وضوحاً فى: «تثبيت الدولة المصرية».. «لن نسمح بإسقاط الدولة».. «كلما زاد الوعى زاد التماسك». «الذات» تعنى - ببساطة - الاعتداد بالنفس، فكيف لك وأنت تبحث - كرجل دولة - عن «النجاة» أن تفكر فى «الاعتداد بالنفس»؟. المؤكد هنا أن هناك إدراكاً كاملاً بأن تحقيق «الذات المصرية» أول الطريق نحو النجاة.

■ لجنة «فرز» الكفاءات

تحدث عنها - بشكل يبدو عرضياً - عندما قال إنه اقترح على وزير الشباب تشكيلها، من أجل البحث عن «مواهب» رياضية قادرة على تمثيل مصر فى البطولات المختلفة، ثم عاد وتحدث عن «البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب»، وأنه سيقدم نحو ٥٠٠ شاب - بعد تأهيلهم - نهاية هذا العام، وأن هؤلاء سيجدون طريقهم إلى «القيادة» داخل الحكومة وفى مجلس الشعب والمحليات.. وحتى الرئاسة نفسها. إذن، فالرجل يعرف تماماً أن أرض مصر تعرضت لعملية تجريف واسعة النطاق على مدار ٣٠ عاماً، وأنها أصبحت تعانى بشدة كلما شرعت فى البحث عن «كفاءة» تتولى مهمة ما، فـ«البديل» لم يعد متوافراً، والمفاضلة غالباً ما تكون بين «السيئ» و«الأقل سوءًا». فكرة البحث عن مواهب وكفاءات ودفعهم نحو القيادة بـ«التدريب والتأهيل» أمر لو تعلمون عظيم.

■ ثقافة «البحث فى التفاصيل»

قطعاً استخدام «ثقافة التفاصيل» فى الحد من الفساد مسألة بالغة الأهمية، لكنها ليست كل شىء. فى رأيى، كنت أستمع لكلام الرئيس عن «ثقافة التفاصيل» على هذا النحو: «التفاصيل» بمثابة سلاح رئيسى لأى دولة ترغب فى خوض حرب التقدم، وغياب مثل هذه الثقافة عن أى مجتمع تعنى «الاستمرار فى التخلف» لا محالة. أيضاً التفاصيل تعد السبيل الأكبر للتقدم فى كل مجالات الحياة. الشيطان يكمن فى «التفاصيل».. والنجاح أيضاً.

■ ثلاثية التقدم

إنها بتعبيره: الكتلة الواحدة.. والصبر.. والعمل. المواجهة مع الإرهاب فى سيناء مهمة.. لكنها - وحدها - لا تكفى، الانتصار على الفساد مسألة حياة أو موت.. لكنها - وحدها - لا تكفى، تفعيل «دولة القانون» ضد «دولة الفوضى» قضية لا مفر منها.. لكنها - وحدها - لا تكفى، اليقظة لمؤامرات الداخل والخارج والعمل على إجهاضها ضرورة حتمية.. ولكنها - وحدها - لا تكفى. لن يدفعنا فى طريق التقدم، بالإضافة إلى كل ما سبق، سوى «العمل الشاق المستمر.. والبقاء كتلة واحدة تلملم جراح الانقسام.. والصبر على بعضنا البعض فى تلك المرحلة الفاصلة من عمر هذا الوطن.