«سوق أبورجوان».. باعة جائلون يفترشون المزلقان: «هى موتة ولا أكتر»

كتب: محمد غالب

«سوق أبورجوان».. باعة جائلون يفترشون المزلقان: «هى موتة ولا أكتر»

«سوق أبورجوان».. باعة جائلون يفترشون المزلقان: «هى موتة ولا أكتر»

لم يعد لصفير القطار هيبة، ولا لسرعته رهبة، ليستقر على شريطه باعة متجولون يفترشون الأرض ببضائعهم، ويلهو الأطفال على قضبانه بدراجاتهم البخارية دون الخوف من هلاك محدق بهم، بل ويتحدى المارة تحذيرات عامل المزلقان ويناصبونه العداء حتى وإن كان يفصلهم عن عربات القطار أمتار معدودة.

{long_qoute_1}

هو حال مزلقانين يستقران فى منطقة «أبورجوان» قبلى، التابعة لمركز البدرشين بمحافظة الجيزة، وتفصلهما بضعة أمتار، فهناك التقينا بعاملى المزلقانين، وتحدثا لـ«الوطن» عن واقع مأساوى وكارثة تمنع العناية الإلهية حدوثها يومياً، بخلاف الألم النفسى والبدنى الذى يعيشانه بسبب مهنتهما المرهقة.

«عيد توفيق»، يسكن فى «كفر درويش» التابع لمحافظة بنى سويف، ويضطر يومياً إلى الخروج مبكراً من بيته، وركوب «توك توك» لعبور منطقة «الفشن» وترك بنى سويف، ليبدأ بعدها رحلة طويلة من المواصلات تستمر لساعات حتى يصل إلى قرية «أبورجوان»، ليتسلم مهمته بعد قطع ما يقرب من الـ160 كيلومتراً، ورغم ذلك لا تغيب الابتسامة عن وجهه، فيما عدا يوم الأحد، حيث يضع يده على قلبه، وتتعلق برقبته أرواح عديدة يحاول ألا يصيبها أى مكروه.

سوق مزدحمة تتخذ من منطقة المزلقان مستقراً لها يوم الأحد من كل أسبوع، يجلس المواطنون على جانبى شريط القطار، ويبيعون الخضراوات والفاكهة والسمك وحتى لعب الأطفال، وتعبر عربات «الكارو» ونصف النقل والـ«تكاتك» القضبان ببطء شديد لا يتماشى مع خطورة المكان، لتصبح عينا «عيد» فى منتصف رأسه، ولا يكف عن توجيه النصائح للموجودين وإطلاق الصرخات أحياناً لمغادرة المزلقان، ولا حياة لمن تنادى.

«القطر هيعدى يا بنى.. استنى يا حاج ما تعديش دلوقتى.. ما تمشيش من هنا دلوقتى يا مدام، والله ده عشان مصلحتكم»، كلمات يكررها «عيد» يومياً على أسماع المارة، خاصة يوم الأحد، ثم يفاجأ بردود فعل عكسية ومستفزة، فيصر الشاب على العبور بدراجته، مطلقاً ضحكات ساخرة من كلام «عيد» وكأنه انتصر عليه، ورغم ذلك يهرول نحوه ويترقب عبوره آمناً، ثم يتمتم فى سره: «الحمد لله وحسبى الله ونعم الوكيل». {left_qoute_1}

يظل «عيد» على هذا الحال 12 ساعة يومياً، وكلما ازدحم شريط القطار، تأزم الموقف وأخذ يجرى يميناً ويساراً، خاصةً مع إطلاق جرس المزلقان، منذراً بقرب وصول القطار، وبينما كان يهرول فى إحدى المرات، وقف أمام «محمد بدر»، شاب يرتدى جلباباً، ويجلس بجانب عربة «كارو» تحمل خضراوات وتقف بين التكاتك والسيارات على شريط القطار: «اتحرك يا ابنى، القطر هيعدى، الله يسترها عليك»، فيرد «بدر»: «مفيش حد يا باشا بيعدى حد، وكله مزنق فى بعضيه، ما هو مين اللى بيتعرض للخطر ما أنا مش عايز أموت وعايز السكة تعدى»، ثم ينظر خلفه وأمامه متربصاً، يزداد قلقه، كلما وجد سرعة عم «عيد»، تزداد، وهو ينبه السيارات والناس بسرعة المرور.

«لو القطر جه، هنط وأجرى وأخرج من الحتة ديه، أنا خايف والله، بس باجى عشان أكل عيشى، أنا مش عايز القطر يخبطنى»، يتمتم «بدر»، بهذه الكلمات مع أحد الواقفين إلى جانبه فى السوق، مؤكداً أنه يأتى إلى السوق أسبوعياً من أجل 20 جنيهاً، يصرفها على نفسه وأسرته.

ما زال «عم عيد» عامل المزلقان حائراً، يوم الأحد هو أصعب أيامه، يغوص بجسده وسط زحام الباعة والمارة بصعوبة لكنه أخيراً ينجح فى فض الزحام بأعجوبة، يغلق بعدها المزلقان، مردداً «الحمد لله»، وفجأة يلمح بصره بنت صغيرة لا تتعدى الـ10 سنوات تلعب على شريط القطار، يجرى نحوها ويجذبها من يدها قائلاً: «ما العيب مش عليكى العيب على أهلك اللى سايبينك ومش خايفين عليكى»، ومع ذلك يلتمس «عيد» العذر للناس لعدة أسباب يرصدها: «غلابة، مخهم على قدهم، عايزين ياكلوا عيش إن شاء الله يتعرضوا للخطر، مامعهمش فلوس».

كوب من الشاى كان عم «عيد» فى حاجة إليه، قدمه له أحد أهالى القرية، إشفاقاً منه على تعب «عيد» الواضح عليه، يرتشف بعضاً منه ويوجه كلامه لمن حوله: «الحمد لله، ربنا يسترها، تخيلوا سوق على جوانب شريط القطر اللى بييجى فجأة، وفى أى وقت، ممكن يخبط حد وماحدش مهتم، مفيش إلا ربنا اللى بيسترها، ولو حصل حاجة أنا اللى بشيل فى الآخر ويقولك بتاع المزلقان».

وضع متفاقم ينذر بكوارث تهدد الأرواح يستمر من السادسة صباحاً وينتهى على مشارف الثالثة عصراً، حيث تبدأ الناس فى الرحيل من السوق، وهنا تبدأ أزمة أخرى، فالكل يحاول الرحيل فى وقت واحد، لا حل حينها، إلا أن يبدأ أهالى القرية فى مساعدة «عيد»، للسيطرة على الموقف، حتى يرحلون فى أمان، بينما يبقى هو متيقظاً حتى انتهاء مدة عمله.

«ويا ريت عاجبهم، بيشتمونى ويهينونى ويضايقونى ويتريقوا عليّا، حاجة آخر قلة أدب ومع ذلك بستحمل، أول ما أقفل المزلقان، يشتموا ويتعصبوا ويقولولى ما القطر بعيد يا عم، أقولهم حياتكم أهم ولا هما هنا»، يتحدث «عيد» عن معاناة لا تنتهى، مؤكداً أنه أصبح لا يتحمل، فالناس لا يخافون على حياتهم، الفقر والجهل هما السبب، بالإضافة إلى أنه لا توجد رقابة ولا اهتمام من الدولة بعامل المزلقان، لا أحد يشعر حسب قوله بالضغط النفسى والعصبى والبدنى الذى يتعرض له، والذى جعله يتمنى أن يعمل فى أى مهنة أخرى، خاصة أنه يحمل مؤهلاً متوسطاً.

المعاناة الشخصية التى يعانيها «عيد» فى عمله هى عدم وجود دورة مياه ولا إضاءة: «أعمل إيه طيب فى الهم اللى أنا فيه ده؟ ده لما بعوز أروح حمام عند الجامع، بوقف واحد مكانى».

سكان القرية القريبة من المزلقان حكوا لـ«الوطن» عن الوضع البائس الذى يعيشونه بسبب إهمال الدولة للمزلقانات وعدم وجود رقابة، وفى الوقت نفسه اللامبالاة التى يتعامل بها المواطنون، «أقسم بالله، أنا شفت بعينيا دول القطر وقف قدام الناس مباشرة، العربية وقفت على «تبليطة المزلقان»، ربنا سترها وسواق القطر طلع ابن حلال، ووقف بالقطر، لكن ناس معذورة بيستنوا من الأسبوع للأسبوع عشان كيلو قوطة رخيص»، قالها «بكر السيد البدوى»، أحد سكان قرية «أبورجوان»، مؤكداً أن سرعة القطار الذى يتجه من إسكندرية إلى أسوان مرعبة، ومن المفترض أن تخيف أى شخص مار من المزلقان، ولكن يبدو أن الكل اعتاد على ذلك، أو أن بحث «الغلابة» عن لقمة العيش يدفعهم إلى فعل أى شىء حتى لو كان تعريض أنفسهم للخطر، ليس الباعة فقط ولكن المواطنين الذين يتوجهون إلى سوق المزلقان لشراء سلع رخيصة، الحل لهذا الوضع من وجهة نظر «البدوى»، هو توعية الناس، وتوسعة شريط القطار.

«رمضان أحمد محمد»، حارس المزلقان الثانى فى القرية، يعمل فى هذه المهنة منذ 30 عاماً، يبلغ من العمر 53 عاماً، نحيل، يبدو عليه الضعف، يأتى يومياً من الفيوم فى طريق طويل مدته 6 ساعات ليصل إلى مقر عمله بمزلقان «الدكمى»، بقرية أبورجوان، يقضى 12 ساعة فى العمل لا تخلو من المعاناة مع المارة على شريط القطار.

مزلقان عرضه ما يقارب المترين، تزداد الصعوبة على عم «رمضان»، للسيطرة على الموقف، فمتران فقط عرض يؤديان إلى تكدس السيارات خاصة وقت «المغربية» حيث الزحام: «المترين مساحة صغيرة مش سايعة العجل خالص، والمفروض ممنوع يعدى منه أى عجل غير الملاكى والفلاحين، لكن النقل بيعدى بالعافية، مش عارف أسيطر عليهم»، متمنياً أن يتم توسيع المزلقان قدر الإمكان، أو مساعدته فى وقف أى عربات نقل، أو كارو أو توك توك من المرور عليه لما يسببوه من خطورة.

كانت الساعة تشير إلى الثانية ظهراً، عم «رمضان» يجرى فى كل مكان محاولاً إقناع سائقى السيارات وعربات الكارو بعدم المرور بسبب قرب مرور القطار، حينها تعلقت عجلات توك توك على شريط القضبان، زادت عصبية «رمضان»، جرى نحو التوك توك محاولاً مساعدة صاحبه فى إخراجه، ليسترها الله فى اللحظات الأخيرة.

«أنا بخاف على الناس، أسيطر على المزلقان إزاى بس، إزاى أمنع النقل يعدى وأنا لوحدى، والمشكلة فى النقل التقيل لما يقع فى قلب السكة، ده ممكن يقلب قطر، الناس مش دريانة بالكارثة اللى ممكن تحصل»، قالها «رمضان» قبل أن يهرع نحو إحدى عربات النقل، ليوقف صاحبها عن المرور، بعد انطلاق صفارة الإنذار التى تنبه إلى مرور القطار، ليواجه بسيل من السباب بصوت عال فى وجهه، فيضطر هو الآخر إلى رفع صوته وسرعان ما تحول إلى اشتباك بين الطرفين دفع المحيطين بهما إلى التدخل لإنهاء الأزمة وإقناع سائق السيارة النقل بعدم المرور خوفاً على حياته.

تدخل أحد سكان «أبورجوان»، الذى يتاجر فى هياكل وعربات الكارو، ليقف فى صف «رمضان»: «ذنبه إيه الراجل الغلبان ده، غلط تشتموه، ده عايز مصلحتكم، وانتو زى ما شايفين الطريق ضيق، وإحنا عايزين يوسعوا الطبلية عشان مايبقاش فيه خطورة، والسكة تسلك»، هنا يجرى «رمضان» ليغلق شريط القطار فى اللحظات الأخيرة ليمر القطار بسرعته الشديدة، التى ترهب «رمضان» نفسه، رغم خبرته التى تخطت الـ30 عاماً.

«لازم نتعارك معاه ونقف فى صفه ده راجل غلبان، وعايزين المزلقان يوسع شوية عشان العربيات تعدى براحتها، عايزين نحافظ على أرواح الناس، العمر مش بعزقة»، قالها «محمد أبوالسعود»، الذى أكد أن زحام السيارات على شريط القطار أمر طبيعى بسبب ضيق المساحة. وتدخل «محمود الروبى» فى الحديث مؤكداً أن عامل المزلقان على صواب وأنه من المفترض ألا تمر السيارات النصف نقل من المزلقان، إذا كنا احنا بنعدى بالعافية»، مؤكداً أنه يمر بسيارته الملاكى من على شريط القطار بعد معاناة.


مواضيع متعلقة