ما صايمينشي..!

بسمة حسن

بسمة حسن

كاتب صحفي

 

"ماصايمينِش" يبدو أن هذا المسمى تعدى كونه اسمًا لحركة بدأت إرهاصاتها في المغرب عام 2012 والتي يتجدد الحديث عنها كل عام مع قدوم شهر رمضان، وقامت في الأساس لإلغاء المادة 222 من الدستور المغربي التي تجرم المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان، إلى رغبة ترجمت لفعل علني بين بعض المصريين، ولكن بشكل أقل حدة بالطبع وأكثر فوضوية ودون كيان منظم، وكأن لسان حالهم هم الآخرون يقول "ماصايمينشي"، وهو الأمر الذي أراه أصبح الآن أقرب إلى "الموضة" بين بعض من يطلقون على أنفسهم كلمة "مثقفين"، وكأن "المثقف" من وجهة نظرهم لا يأخذ صك المعرفة إلا بالتمرد على المعتقدات الدينية والاستهانة بها وفي بعض الأحيان إنكارها والسخرية منها بل يصل الأمر ببعضهم أحيانًا إلى الإلحاد.

وهم فئة أصبحت تري فريضة الصيام - وهو الركن الرابع من أركان الإسلام - ، والفرائض بشكل عام ما هي إلا محض حرية شخصية وأن بعض النصيحة اضطهاد ديني، ناهيك عمن لا يشغلهم الأمر من الأساس، وهم نوع من الشباب الذين يمكن وصفهم بـ"المستهتر" الذين يعترفون به كفريضة إلا أنهم ممن غلبت عليهم "شقوتهم" فتناسوا الأمر وتكاسلوا عنه دون عذر شرعي كالمرض والسفر وخلافه، أو من سلموا أنفسهم للشيطان من المجرمين والسارقين والمخالفين للقانون فالأمر بالطبع لا يشغل أي حيز من تفكيرهم على الإطلاق والوازع الديني لديهم لا وجود له من الأساس.

ليست محاكمة أو تجنيًا على الحرية الشخصية، ولكن يبدو أن في الأمر بشكل عام ميلًا واتجاهًا نحو التجرؤ على "العظَمَة" وهو المصطلح الذي طرحه الأديب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد في كتابه "عبقرية محمد"، حينما تحدث عن عظمة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، والذي رأى أنه من موبقات العصر الحديث، فالتجرؤ لم يعد فقط مقصورًا على الأشخاص الذين لهم قداسة خاصة، ولكن أيضًا على المعتقدات الدينية، وهو ما قال عنه "إيتاء العظمة حقها لازم في كل آونة وبين كل قبيل، ولكنه في هذا الزمن وفي عالمنا هذا ألزم منه في أزمنة أخرى، لسببين متقاربين لا لسبب واحد: أحدهما أن العالم اليوم أحوج ما كان إلى المصلحين النافعين لشعوبهم وللشعوب كافة، والسبب الآخر أن الناس قد اجترأوا على العظمة في زماننا بقدر حاجتهم إلى هدايتها".

وقال العقاد في موضع آخر "ثم أغري الناس بالجور بعد الجور غرورهم بطرائف العصر الحديث، واعتقادهم أنه قد أتى بالجديد الناسخ للقديم في كل شيء"، وقد كشف لنا العقاد نتيجة هذا قائلًا "هذه الآفة تهبط بالخلق الإنساني إلى الحضيض، وتهبط بالرجاء في إصلاح العيوب الخلقية والنفسية إلى ما دون الحضيض".

نعود إلى القصة ونبدأها من أولها واحدة واحدة، الحركة أحدثت ضجة وجدلًا كبيرًا في المغرب بين الأكثرية المسلمة التي رأت هذه الفعلة استفزازًا لشعور المجتمع الإسلامي، وهو الجدل الذي أحدثه في المقابل واقعتان في مصر تلت إحداهما الأخرى، الأولى كانت الفتوى التي صدرت عن دار الإفتاء المصرية، وقامت بنشرها على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، والتي تقول "إن المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان لا يدخل ضمن الحرية الشخصية، بل هو نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام، لأن المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام فضلًا عن أنها خروج عن الذوق العام في بلاد المسلمين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته"، وهي الفتوى التي قامت عليها الدنيا ولم تقعد، حيث رأى البعض أنها تتضمن تحريضًا خفيًّا على العنف ضد من يجاهرون بالإفطار فى نهار رمضان، ما أدى في النهاية؛ لتراجع الإفتاء عنها معترفة بإخفاقها وأنه ربما تكون صياغة الفتوى هي ما أحدثت هذه الجلبة وهذا الضجيج، وهذا بالطبع لا يعني تراجعًا عن صحة أصل الفتوى.

ولدرء شبهة التعصب والتعدي على الحريات الشخصية التي قد تنتاب القارئ من السطور الأولى، سأوضح فكرتي بالتحديد، للرسول الكريم حديث يقول "الدين النصيحة، قلنا: لمن يارسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه مسلم، وفيما يخص جزء نصح العامة تعني النصيحة هنا إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وتعليم جاهلهم، وتذكير غافلهم وإسداء النصح، ومن فقه النصيحة للمسلم أن ينصحه برفق وتلطف بغير تعنيف لأن ذلك ينفره عن اتباع الحق، وأرى أن هذا الحديث أوجز فأنجز، وهو ما يحتاجه الخطاب الديني ويوضح الخطأ الذي وقعت في دار الإفتاء حينما قامت بانتقاء كلمات وألفاظ منفرة فهم منها عن غير عمد إعطاء ترخيص لكل صائم بالتصرف بعنف كما يحلو له مع المجاهر بإفطاره.

وهو ما أحدث هذا اللبس، وخاصة أن الله -عز وجل- لم يجبر أحدًا على عبادته فما بالك بأداء فرائضه فهذا في النهاية شأن خاص بين العبد وربه وهو شيء متروك ليوم يقوم الحساب، ولكن ما على الرسول إلا البلاغ والنصيحة، وهو دور رجال الدين أيضًا الذين يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال الله عز وجل "وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" صدق الله العظيم/ الآية 125 من سورة المائدة.

الواقعة الثانية، كانت الحملات التي شنتها جهات أمنية واستهدفت المجاهرين بالإفطار، وهو الخبر الذي تداولته المواقع الإخبارية الأيام القليلة الماضية حتى، إن بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي شبهها بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية، إلا أن الأمر ليس بجديد أيضًا في العديد من الدول العربية، التي تجرم بالفعل المجاهرة بالإفطار وتقرر عقوبة على من يقوم به بشكل علني منها على سبيل المثال، كما ذكرنا المغرب حيث يعاقب المجاهر بها بالحبس من شهر إلى 6 أشهر مع الغرامة، وكذلك تصل العقوبة في الجزائر من 3 إلى 5 سنوات، ويعاقب المجاهر في تونس بتهمة الإخلال بالآداب العامة، وكذلك في ليبيا وفي السعودية التي تكون العقوبة بها الجلد والسجن، وفي الإمارات أيضًا بالسجن شهرًا مع الغرامة لاعتبارها جريمة تمس بالشعائر والعقيدة الدينية.

وبعيدًا عن تحليل ملابسات الحملات الأمنية عندنا في مصر وهل له علاقة بالفتوي أم أن الأمر تشوبه بعض السياسة، إلا أن المؤكد هنا هو الخلل في التعامل مع الأمر على الوجهين وهو ما ظهر خلال الواقعتين وبدا وكأنه نوع من الاستبداد الديني والسياسي، وهو ما ألمح إليه عبدالرحمن الكواكبي، أحد رواد النهضة العربية ومفكريها في القرن الـ19 في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" حينما قال: "الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها، فيجعل الإنسان يكفر بنعم مولاه، لأنه لم يملكها حق الملك ليحمده عليها حق الحمد، ويجعله حاقدًا علي قومه لأنهم عون لبلاء الاستبداد عليه.. ولهذا كان الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة العامة، فضلًا عن الأجسام فيفسدها كما يريد، ويتغلب على الأذهان الضئيلة فيشوش فيها الحقائق بل البديهيات كما يهوى".

وتقوم فكرة الكواكبي على أن أساس البلاء والبلوى يكمن في الاستبداد الذي يؤثر بطبعه على الأخلاق، فالأزمة في الأساس وكما أراها هي بالفعل أزمة أخلاقيات، وهو ما يجعلنا نتساءل: "هو خلاص مابقاش فيه حساسة أو بمعني أدق هو ماعدش فيه "دم"؟، زمان من كان لديه عذر شرعي يمنعه من الصيام ويضطره إلي الإفطار يتحاشي أن يراه أحد ممسكًا بالطعام أو بكوب ماء ليس رهبة أو خوفًا ولكن احترامًا لمشاعر الآخرين ومراعاة لأحاسيسهم فما بالك بمن لم يمنعه عذر، المسيحي كان يحرص قبل المسلم على مراعاة تلك المشاعر كمشاركة معنوية له مع أن له حريته الشخصية في عدم القيام بذلك، وهي الحرية الشخصية - على سبيل المثال - التي لا يستخدمها الأجانب عند زيارتهم؛ لأي بلد عربي عند دخولهم لأي مسجد احترامًا منهم لمشاعر أهل البلد وشريعتهم وحرمة مقدساتهم وأماكن عبادتهم، وفي هذا قال الكواكبي "لا تكون الأخلاق أخلاقًا ما لم تكن ملكة مطردة على قانون فطري تقتضيه أولًا وظيفة الإنسان نحو نفسه، وثانيًا نحو عائلته، وثالثًا وظيفته نحو قومه، ورابعًا نحو الإنسانية، وهذا القانون هو ما يسمى عند الناس بالناموس".

ويقول الكواكبي في موضع آخر "وقد اتفق الحكماء.. على أن فساد الأخلاق يخرج الأمم عن أن تكون قابلة للخطاب، وأن معاناة صلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة البالغة والعزم القوى"، وهذا ما نحن في حاجة ماسة إليه، استعادة أخلاقياتنا وحسّنا وشعورنا بالآخر أيًّا كان هذا الآخر، فلسنا هنا في حلبة مصارعة سياسية أو دينية يتعارك فيها الليبراليون والعلمانيون والقيادات الدينية، كل ما نبحث عنه هو إعادة النظر مرة أخري في إنسانيتنا.