المصالحة.. تفكير «روبابيكيا»

الأحاديث المتواترة عن قصة المصالحة مع الإخوان التى ترددت على ألسنة بعض المسئولين بالدولة، وعلق عليها عدد من كبار الكتاب، تعكس نغمة تفكير ملخصها أن «العودة إلى قديمه» ممكنة، أو بعبارة أخرى: إن الرجوع إلى المعادلة القديمة فى إدارة العلاقة بين الإسلاميين والسلطة واردة، بل وربما تكون أحد المداخل لحل جزء من أزمات السلطة الحالية. وبداءة لا بد أن نقرر أن أى حديث عن الصلح مع الإخوان هو حديث سلطة، فالصلح المطروح هو صلح على المستويات العليا، بين قيادات الجماعة وصناع القرار فيها، وبين صناع القرار داخل السلطة، وهو بحال ليس حديثاً عن مصالحة شعبية، لأن حالة الخصام الشعبى للإخوان، ومخاصمة الجماعة للشعب مسألة تعمقت مع الأحداث التى شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. فمنذ 30 يونيو 2013 لا تتردد جماعة الإخوان فى تسفيه الشعب والشماتة فى معاناته، ويصل الأمر فى بعض الأحوال إلى تمنى الخراب له، لا لشىء إلا لأنه ثار ضدهم، الناس كلها تدرك هذا الشعور الإخوانى، وتفهم أن الجماعة وأنصارها يفرحون فى أى أذى يلحق هذا الشعب، ولم يعد بمقدورهم إخفاء شماتتهم فى مثل هذه المواقف، والجماعة من ناحيتها ترى أن فرحها بما يحيق بالمصريين من ضرر وما يعانونه من ضغوط أو مشكلات أمر طبيعى، فكيف لا تفرح فيمن تظن أنهم يفرحون لمقتل أو سجن أعضائها، بل ويحرضون عليه؟!.

خصام الشعب للإخوان، وخصومة الجماعة مع الشعب أمر بيّن لا لبس فيه، لذلك فأى حديث عن المصالحة ينصرف إلى علاقة الجماعة بالسلطة، والدليل على ذلك أن مبادرات وتصريحات عديدة خرجت على ألسنة رموز قيادية من هنا أو هناك تتحدث عن هذا الموضوع، هذه المبادرات التى تأتى على لسان رسميين تعكس رغبة فى العودة إلى تلك المعادلة القديمة التى عشناها أيام مبارك، حين كانت العلاقة بين الإخوان والنظام تقوم على فكرة المحاصصة، بالمعنى الشامل لهذه الكلمة، المحاصصة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلى مستويات أخرى عديدة، وصلت إلى المحاصصة على مستوى المساجد. وقد ارتاح الطرفان إلى هذه المعادلة ردحاً طويلاً من الزمن، ومثلت هذه الوضعية التى سادت أيام مبارك واحداً من المسوغات المهمة التى دفعت بالإخوان إلى السلطة وحكم البلاد بعد ثورة 25 يناير، حيث لم تكن هناك أية قوة معارضة تمتلك القدرة التنظيمية التى تتمتع بها الجماعة، لكن تجربة الحكم أثبتت أن استحقاقات السلطة والإمكانيات المطلوبة للتعامل معها، تختلف عن مؤهلات العمل فى صفوف المعارضة، بالإضافة إلى عوامل أخرى عديدة ساهمت فى السقوط المدوى لحكم الإخوان فى 30 يونيو 2013.

من يطلب هذه المعادلة أو يسعى إلى تفعيلها فى الواقع يطلب مستحيلاً، لأن الواقع لن يستوعبها أو يتقبلها بحال من الأحوال، لذلك أجد أن المسئولين الذين تحدثوا عن مصالحة مع الإخوان يفكّرون بطريقة أقل ما يمكن أن توصف به: «الروبابيكيا»، حتى ولو برروا طرحهم لمبادرات الصلح بردود فعل إيجابية حصلوا عليها من قيادات إخوانية، فهذه القيادات مثلهم «روبابيكيا»، كلمة أهمس بها فى أذن المسئولين الذين يفكرون بذات الطرق العقيمة التى ثار الشعب عليها: «سيبكم من الكلام دا وركزوا فى شغلكم»..!.