من غير لا ميّة ولا زاد

ناهد صلاح

ناهد صلاح

كاتب صحفي

(1) «أحبّك حبّين.. وكم من طريد وكم من شريد وكم من شهيد لتحيا الحياةُ»، تغنى التونسية سنيا مبارك كأنها تغمد الرياح بصوتها، فيما أغوص أنا فى صمتى ولا أعيد صياغة وقتى كما أراد صديقى الذى اتخذ على عاتقه أن يرسل لى كل يوم مقطوعة غنائية أباشر بها يومى، علّها تحمينى فى هذه الصيفية الملتهبة وتفلتنى من فواجعها الضخمة وازدواجية العالم. «تأخّرت عنك لبعض دقائق/ لأسأل عنّى دخان الحرائق»، انفجار واستضعاف مسيحى فى القاع بلبنان، انفجاران فى مطار اسطنبول، الموت يواصل قذائفه فى سوريا، والجدل يتقاسم بين خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى وبين اعتذار تركيا لروسيا وترجلها الإقليمى ناحية إسرائيل. «تعلّمت يا صاحبى أن أضيع على هذه الأرض مثل الحقيقة»، تتسرب الأغنية بين الأحشاء والروح كما يتسرب الإحباط إلى هذا الفتى طالب الثانوية العامة الذى تسربت امتحاناته وتأجلت بقرار لم يراعِ عاماً كاملاً عاشته 500 ألف أسرة تعانى من «فلوس» الدروس الخصوصية والأوجاع النفسية التى تأكلهم، إنها وكسة الثانوية العامة والتعليم إجمالاً فى مصر؛ والتى لن يحلها بالتأكيد إقالة الوزير فقط، يجلس الفتى أمام التليفزيون يشاهد مباراة يراقب استعدادات اللاعبين ومسار الكرة وينتظر من فريقه هدفاً ويترقب مصيره فى زمن «الشاومينج». «أحبّك يا صاحبى غير أنّى أعيش على هذه الأرض فانظر/ ترَ النّار تأتى على كلّ شىء ولا شىء يبقى سوى الحبّ أخضر».

(2) «آه يا اسمرانى اللون.. حبيبى الاسمرانى»، تُغنى الصغيرة ذات الأربع سنوات على إيقاع موسيقى صادرة عن جهاز الكاسيت الـ«سونى» القديم الذى أخرجته الجدة اليوم من الصندرة، فتشهق نساء العائلة اللاتى التففن حولها على السجادة الزرقاء المستطيلة فى الصالة الواسعة المفتوحة على الفراندة والحديقة الأمامية أمام البيت الكبير.

تقف الصغيرة على كرسى البامبو، ترتدى فستانها الدانتيل الأبيض ووردة حمراء مشبوكة فى شعرها الأسود الطويل، تفيض بغنج ودلال المُحبين، تتمايل مع الموسيقى ويتلوى جسدها الطفولى مع حركة التواء شفتيها بحروف الكلمات وتمد يديها فى الفضاء تُناجى هذا الاسمرانى الواقف وراء بؤبؤ عينيها التى تضيق حين تنطق بالآهات:

«آه.. تحت الرمش عتاب وحنين وعذاب وعيون ما تنام

آه.. دقت معاك طعم الأيام والوقت تغيب يا سلام

جونى.. سألونى.. جاوبتهم عنى دموع عينى

علشانك أمشيها بلاد.. يا حبيبى يا اسمرانى

من غير لا مية ولا زاد.. يا حبيبى يا اسمرانى»

تُحاول إحداهن أن تتكتم ضحكاتها ولمّا لم تستطع، تقول:

«دى مش عيّلة، دى ست عجوزة وأروبة».

تلمع عينا صبية اندست وسط الحاضرات، تنحو الصبية إلى العشرين بارتباك غير المجربين، تبدو تائهة كبطلة خرجت للتو من التراجيديات القديمة، تُطرقع أصابعها ولا تمدها لتمسح دمعة انفرطت على خدها، فلم يعد البكاء لائقاً بمن فى مثل عمرها، تهمس الجدة فى أذنها ثم تربت على ظهرها فى أسى يسبق الحنان، الجدة العجوز تصدرت المشهد؛ قوية بدت كامرأة تخاتل بحكمتها، عُرف عن الجدة أنها تنام وجهاز الراديو فى حضنها وأنها تعرف أسماء المذيعين ومواعيد التمثيليات وتختتم ليلتها بإذاعة القرآن الكريم وبها أيضاً تبدأ صباحها التالى، صامتة هى الجدة فى هذا المشهد النسائى كمن رمت تجربتها الطويلة فى عرض البحر ونسيت كل شىء حتى مشادتها الأخيرة مع أصغر أبنائها الذى يرفض الزواج رغم وصوله الخمسين.

«ليه.. وانت تحب الشوق أكتر منى وقلبك عطشان

ليه.. وانت قايلى إن غبتى يغيب م الدنيا أحلى مكان».

تتوقف الصغيرة فجأة عن الغناء وتقول: خلاص، زهقت. تُصفق لها الأم وتحتضنها العمة وينفض الجمع النسائى، فيما تقول العمة وهى تنظر إلى الجدة فى لؤم: ستات عيلتنا ما بيعطوش غير فرصة واحدة.

(3) من الألم إحساس المرء أنه ولد فى الزمن غير المناسب، ومن الأمل أن يستطيع إلى الحياة سبيلاً.