الخيانة !

ربما إن تأملت ملياً فى تاريخ هذه الأمة.. فلن تجد الخيانة مقترنة إلا بهم.. ولا الخراب مقترناً إلا بسيرتهم ووجودهم.. حتى إنهم صاروا كلمة السر لانهيار أى إنجاز يتم منذ أن ظهرت تلك الأمة حتى الآن.

إنهم اليهود.. هذا الفصيل الذى لم يسعَ إلا إلى فساد وخراب تلك الأمة.. إنهم أعداء الدهر كله.. الذين لم يتغير موقفهم منا ولن يحدث أبداً مهما طال الزمن.

ما زلنا فى الأندلس.. إنه عصر انهيار الدولة الأموية هناك.. لكم اقترن ذلك بالكثير من الفوضى التى كانت فرصة سانحة لظهور الزعامات البربرية.. التى كان أشهرها «بنى مناد».. الذين حكموا غرناطة فى عصر ملوك الطوائف.. حتى أصبحت آخر معاقل المسلمين بالأندلس..!

وكان «لباديس» ملك غرناطة كاتب اسمه أبوالعباس، وكان لأبى العباس هذا مساعد يهودى اسمه «يوسف بن نغرالة»، كان داهية شديد الذكاء وأيضاً حسن السيرة، فلما توفى أبوالعباس أخذ يوسف اليهودى مكانه وأخذ فى التقرب إلى باديس، وكان ينتظر الفرصة السانحة ليترقى فى منزلته عند باديس.. حتى جاءته الفرصة عندما حاول بعض بنى عمومة باديس الانقلاب عليه، ودبروا مؤامرة لقتله وحاولوا ضم كاتبه «يوسف اليهودى» للمؤامرة، وقد طمعوا فى اشتراكه بها طمعاً فى المال.. ولكنه شعر بفشلها فانتهز الفرصة وتصنع الأمانة وقام بإخبار باديس.. وانكشفت المؤامرة وتم القبض على المتآمرين، وعلت منزلة اليهودى جداً حتى صار أثيراً عند باديس وصار ناصحه الأول فترات طويلة.

المشكلة أنه كان كسائر المنتفعين والانتهازيين من الحاشية.. فقد فجر وطغى بين العامة.. وأفشى الحقد والكراهية بين الناس ضده بتعيينه أقرباءه من اليهود فى سائر المناصب.. حتى اصطدم بولى العهد «بلقين».. الذى كان يكرهه ويدرك أنه أفاق.. لقد دارت بينهما صراعات عديدة داخل أروقة القصر.. انتهت بموت «بلقين» بالسم الذى دسه عليه اليهودى!

لقد استمر فى طغيانه على الناس حتى شعر أن منزلته عند الخليفة قد ضعفت.. فقرر أن يساعد «ابن صمادح».. صاحب مملكة المرية واستدعائه للاستيلاء على غرناطة!!

لقد كاد أن ينجح بالفعل.. لولا أن حادثة صغيرة وقعت قبل اجتياح غرناطة من «ابن صمادح» بأيام أفسدت الأمر كله..

لقد كان أن اجتمع يوسف اليهودى فى هذه الليلة على الشراب مع طائفة من صحبه من الضالعين معه فى مؤامرته، وكان «ابن صمادح» قد استعد بجنوده فى مكان قريب من المدينة للانقضاض عليها.

لقد بدأ الأمر بمشادة وقعت بين أحد الحاضرين مع حاشية وخدم يوسف اليهودى، فانطلق هذا الرجل خارجاً من الدار وهو يصيح: لقد غدر اليهودى ودخل ابن صمادح البلدة. وفى الحال هرع الناس -وهم يتصايحون «غدر اليهودى، غدر اليهودى» وفى مقدمتهم شيوخ صنهاجة- إلى دار اليهودى، فهرب يوسف منها إلى قصر الخليفة.. ولكن الناس اتبعوه حتى قبضوا عليه وقتلوه وصلب على باب غرناطة!!

إنه ثمن الخيانة لمن وثق فيه وسانده.. وثمن التجبر والطغيان الذى لا ينفع صاحبه.. ولو طال الزمن!

وللحديث بقية