الرؤساء فى قفص العدالة

مر العالم العربى مرور الكرام على الحكم التاريخى الذى أصدرته المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون، فى أواخر شهر مايو الماضى؛ حيث حكمت المحكمة على الرئيس السابق لليبيريا «تشارلز تايلور» بالسجن 50 عاماً على الجرائم التى ارتكبها فى سيراليون بدعم الجبهة الثورية المتحدة بالتحريض والدعم والمشاركة فى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مقابل الحصول على الماس. العدالة الدولية تواصل تقدمها رغم العديد من المعوقات ورغم امتناع بعض القوى الكبرى حتى الآن ومنها الولايات المتحدة وروسيا عن التوقيع على معاهدة محكمة الجزاء الدولية، ورغم هذه المعوقات فإن تقدم العدالة الدولية لا يتمثل فحسب فى تطبيق قواعد هذه العدالة على مرتكبى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بصرف النظر عن مواقعهم ومناصبهم، بل كذلك فى المبادئ التى استندت إليها، سواء من الناحية القانونية أو الأخلاقية أو الإنسانية، وفى مقدمة هذه المبادئ اعتبار هذا النمط من الجرائم، أى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يتجاوز النطاق الإقليمى الذى ارتكبت فيه، وللقضاء الدولى والنظم القضائية فى البلدان المختلفة ملاحقة ومحاكمة مرتكبيها، ومطالبة السلطات الأمنية والقضائية والتنفيذية التى وقعت فيها هذه الجرائم بالتعاون مع المجتمع الدولى والدول التى تجيز أنظمتها القانونية ملاحقة ومحاكمة مرتكبى هذه الجرائم. وبناءً على ذلك تعتبر العدالة الدولية أن هذه الجرائم عابرة للحدود والأوطان وأن المجتمع الدولى والإنسانية عامة معنية بملاحقة ومعاقبة مرتكبى هذه الجرائم، بل وبردع من تسول له نفسه استغلال ضعف السلطات والأنظمة القانونية والقضائية والأمنية فى دولة ما لارتكاب هذه الجرائم، وعليه أن يعرف أن المجتمع الدولى قادر على متابعته وملاحقته بجميع الوسائل ومحاكمته على جرائمه. وهذا التطور المهم فى نظام العدالة الدولية يرجع فى جانب كبير منه إلى تطور ثورة الاتصالات والمعلومات والبث المباشر وتقنيات الإعلام الجديدة التى تساعد فى كشف هذه الجرائم وتداول تفاصيلها ومعرفة العالم بها؛ إذ إنه لم يعد بمقدور مرتكبيها فرض الصمت والحظر على تداولها ونشرها، ذلك أن العالم رغم ما بين شماله وجنوبه وفقرائه وأغنيائه من تباعد واستقطاب فإنه عالم يتوحد ويتقارب رغم هذا التفاوت، خاصة على صعيد الاتصالات والبث المباشر والمعلومات ومعرفة ما يدور من أحداث بل وتداولها بأبعادها المختلفة. ولا شك أن القرار الذى أصدرته المحكمة الخاصة بسيراليون له أكثر من دلالة؛ فهو يعنى أولاً: إنهاء عصر الحصانة التى كان يحظى بها رؤساء الدول وتحول دون محاكمتهم على الجرائم التى ارتكبوها والقرار، بخصوص رئيس ليبيريا السابق هو القرار الوحيد منذ محاكمات نورمبيرج التى أعقبت الحرب العالمية الثانية. وكذلك فإن هذا القرار يعنى ثانياً توجيه رسالة إلى أولئك الذين يرتبكون مثل هذه الجرائم فى بلدانهم وضد مواطنيهم لأى سبب بأنهم ليسوا بمنأى عن العقاب طال الزمان أو قصر. ويتضمن القرار، ثالثاً، رسالة إلى بعض الدول فى العالم العربى، خاصة السودان، الذى تطالب محكمة الخبراء الدولية بمحاكمة رئيسه وربما فى وقت لاحق الرئيس السورى إذا استمر فى قتل شعبه بحجة التصدى للمؤامرة الخارجية، وعلى العالم العربى أن يأخذ مجريات العدالة الدولية على محمل الجد ويطالب بتطبيق قواعدها ومبادئها على إسرائيل.