الهوية الشخصية للفرد (Identity)
لاشك أن من يتابع وضع الشعوب العربية عامةً والشعب المصري خاصة، يجد أن هناك خمس أزمات رئيسية للأمة يجب على القادة والشعوب أن يتغلبوا عليها حتى يحققوا ذاتهم.
1- أزمة الفكر، وتشمل التعليم والإعلام والثقافة السائدة لدى الشعوب.
2- أزمة الأخلاق، وتشمل القيم والمبادئ والمُثل العُليا، وكل ما حث عليه ديننا الإسلامي الحنيف، ونبينا الكريم.
3- أزمة الهُوية، وتشمل عدم معرفتنا بذواتنا أو بأدوارنا في المجتمع، أو في الحياة ومراحل نمونا النفسي التي يجب علينا إشباعها حتى ننتقل من مرحلة إلى أخرى.
4- أزمة نفسية، وتشمل مدى الإضطرابات النفسية والقلق والخوف والإحباط الذي يسيطر على الكثير من الأفراد سواء بسبب خارجي أو بسبب داخلي من الشخص ذاته.
5- أزمة في القيادة، وتشمل مدى تأخرنا عن المجتمعات الأخرى في العلم والقيادة والإبداع والإدارة والإنتاج، وتشمل عدم احتلالنا لمكانتنا التي تليق بنا كأمة إسلامية عظيمة كانت تقود العالم، فيما قبل عصور الظلام.
ومن هنا سنتكلم كثيرًا عن هوية الفرد؛ لأنها أساس نجاح الشخص في تخطي كل هذة الأزمات الخمس، فيمكن تعريف الهوية بأنها ماهية الشخص "أو الشيء"، ما يتسم به من مجموعة الصفات، التي تميزه عن الآخرين، وتجعله متفردًا بها.
ومن ثم فإنها "أي الصفات"، وتشمل كل جوانبه، أي الشخص أو الشيء، وهي بالنسبة إلى الشخص تنتظم في مواصفات، جسدية ونفسية واجتماعية، وفي تكامل ينمّ على روح الهوية والشعور بها، لذلك، فإنه يمكن أن نقسم هوية الشخص إلى هوية جسدية، وهوية نفسية، وهوية اجتماعية.
والهوية الجسدية (Physical Identity)، هي السّمات الفيزيائية من حيث البنيان الجسماني، وما يتميز به من الطول والقصر، البدانة أو النحافة لون جلده وشعره، من حيث وجوده من عدمه، نعومته أو خشونته، ولون العينين، قسمات الوجه، تناسق الملامح وتناسق الجسد، عدم وجود إعاقات تعطل قدرات الفرد الجسدية، أو تحول دون إدراكه للعالم من حوله، ومقارنة نفسه بمن حوله. والأهم من ذلك في حالة الإعاقات الحسية (Loss of Sensation).
وهو عدم نمو الوعي بوجوده فلا يدرك هويته المادية، ولا أداءه العقلي فمن تكن لديه إعاقة مثل فقْد السمع والبصر، أو خلل المسارات الحسية (Afferent Sensory Tracts)، الداخلة إلى الدماغ لتوصيل الإحساسات الجسدية، لا يمكنه إدراك المثيرات الجسدية، التي تكوِّن هويته الجسدية ومن ثم تكون هويته الجسدية غير واضحة بالنسبة إليه، وهذا لن يمكنه، كذلك من مقارنة نفسه بالآخرين، وعدم معرفة من يشبهه من المحيطين به في بيئته، فلا يكتشف السّمات المشتركة مع أعضاء جماعته، وهو ما يؤثر في هويته، النفسية والاجتماعية.
أمّا الهوية النفسية (Psychological Identity)، بالنسبة إلى الشخص، فهي ما تعيه النفس وتشعر به من سمات، عقلية وانفعالية، وسلوك ناتج من تلك السّمات النفسية، تجاه ما لديه من قدرات عقليـة (Mental Abilities)، واهتمامات واتجاهات داخلية (Attitudes)، تعبّر عن نظامه القيمي (The Value System)، أو ما يُسمى بالأنا الأعلى (Super Ego)، وما تعكسه تلك الاتجاهات من نظرة إلى العالم الخارجي، تتسق مع إدراك الشخص للعالم من حوله، الذي هو انعكاس للقدرات العقلية وخبرة الشخص الخاصة، المعرفية والانفعالية، والتي هي معياره لقياس العالم الخارجي وفهْمه والتعامل مع مثيراته، هذا التعامل الذي يبرز في سلوكيات الشخص وتصرفاته اليومية.
والهوية النفسية، يمكن أن تشمل ما تنطوي عليه النفس من جزء بدائي، يعبّر عن عفوية الطفل في داخل الإنسان، ويختزن طاقات الغرائز والحاجات الأساسية، من متطلبات البقاء؛ وجزء مجتمعي، يعكس قِيم المجتمع، وأخلاق الوالدين والأسرة، كبيئة محيطة مباشرة، تكون جزءًا مقابلًا، كابتًا للغرائز في الجزء البدائي، أحيانًا، ومشبعًا لها أحيانًا أخرى.
وهو يرسي أُسُس الواقع الخارجي، كرد فعل أو كأطروحة مقابلة لأطروحة الغرائز، وهذا الجزء يكون باندماج القِيم الخارجية، والتوحد مع أفراد من العالم الخارجي، وخاصة الوالدين، أو من يقوم مقامهما بالرعاية، في السنوات الأولى.
وينمو من خلال تفاعل هذين الجزأين، كأطروحتين متقابلتين، جزءًا ثالثًا، وهو الوسيط بين البدائية الغرائزية، والقِيم والعادات الخارجية المجتمعية، وهو جزء توفيقي، يسعى للجمع بينهما، ليبدو كحصيلة نهائية لهما، وكلما كان هذا الجزء الوسيط متكاملًا ومتسقًا وقليل الصراعات، عكس هوية سوية، وكلما كانت صراعاته شديدة، تؤدي إلى عدم استقراره، كان هناك أزمة هوية (Identity Crisis).
والهوية الاجتماعية (Social Identity)، وهي الصورة التي يراها الآخرون للشخص، إذ يعيش داخل جماعة تساعده على الشعور بوجوده، وتوجهه لتكوين هويته، وينتمي إليها، وهي، أي الجماعة، كما تشبع حاجاته المادية، تشبع كذلك حاجاته المعنوية، فتعطيه الشعور بتقدير الذات، إذ يقارن نفسه بالآخرين، فيلاحظ أوجُه الشبه والاختلاف بينه وبين أفراد الجماعة، وكلما لاحظ أنه أكثر قبولًا اجتماعيًا وتميزًا عن الآخرين، شعر بهويته الاجتماعية المتسقة.
وهناك مؤهلات اجتماعية، تسهم في شعور الشخص بهويته، وهي المهنة التي يمارسها، ومدى إسهامها في رفاهية الآخرين وراحتهم، والشهادة التي حازها، وموقعها من الثقافة السائدة في المجتمع، وما يملكه من ماديات، تيسر له سُبُل العيش، وامتداد مظلتها إلى الآخرين من عدمه (أي يعمل لديه آخرون)، ونمط الحياة التي يحياها، ومدى قبولها من المحيطين به، واتساقها مع عادات وتقاليد المجتمع الذي يعيش فيه.
فلا شك أن شخصًا حائز شهادة مرغوبة اجتماعيًا، ويمارس مهنة مرموقة تفيد المجتمع، ويملك ماديًا ما يجعله يستخدم (يستوظف) لديه آخرين من أفراد مجتمعه، ويفتح لهم أبواب رزق، ويعيش أسلوبًا حياتيًا، يتفق مع عادات وتقاليد مجتمعه، وسيكون هوية موجبة، من خلال التقدير الاجتماعي، الذي سيلقاه من المحيطين به، بخلاف شخص آخر، لم يحز شهادة تعليمية، ولا يمارس مهنة مناسبة، ولا يمتهن عملًا مقبولًا من المجتمع، وليس لديه ما يكفيه ماديًا، ويعيش نمط حياة لا يتسق مع عادات وقِيم مجتمعه (مثل الشخص المدمن)، فإنه يكون غير مقبول من مجتمعه، وملفوظًا وفاقد التقدير، وهذا يسهم في خلق أزمة هوية، أو هوية سلبية، لا تحقق له الإشباع الذي ينشده.
والهوية ليست جامدة، ولكنها تتطور من خلال التوحدات، والاختيار بين تلك التوحدات، خلال مراحل النمو المختلفة، إذ إنها دينامية داخلية، تعيد تنظيم نفسها، من دون توقف، وهناك 5 مراحل لنمو الهوية النفسية للفرد وعدم إشباع أي مرحلة يؤدي إلى اضطرابات نفسية لدى الفرد، وسنكمل الحديث عن هذه المراحل الخمس في العدد القادم بإذن الله.