طهران والقاعدة.. الإخوة الأعداء

رفعت السعيد

رفعت السعيد

كاتب صحفي

وبرغم الخلاف القاسى، والذى يتبدى أبدياً بين السنة والشيعة، فإن الفكر المتشدد ذى البئر الواحدة المسمومة يهيئ مناخاً لتلاقيات سواء تحت عباءة «التقية» الشيعية أو عباءة الشعار الإخوانى الأبدى الذى صاغه حسن البنا «لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت»، ويكون هذا التلاقى نواة لتلاقٍ مماثل بين طهران والقاعدة (ويتم ذلك تحت مظلة متفجرات سيد قطب المكتوبة سواء فى «فى ظلال القرآن» أو «معالم فى الطريق» أو غيرهما). وبالفعل، وعندما كان الخمينى يتهيأ لمغادرة منفاه فى باريس فى عام 1979 فى عودته المظفرة إلى طهران قام وفد من الإخوان بزيارته فى باريس وبايعوه «مرشداً»، وسبق ذلك كله قيام خامينئى، المرشد الحالى، بترجمة كتاب سيد قطب «المستقبل لهذا الدين» فى عام 1966، لكن ثمة جديداً فجّر أسرار هذا التلاقى. ففى 2 مايو 2011، وعندما هاجمت قوات صاعقة أمريكية منزل بن لادن فى مدينة آبوت آباد بباكستان وقتلته قامت بتفتيش المنزل واستولت، كما أكد مايكل بريجيتى ضابط المخابرات الحربية الأمريكية، على قرابة المليون وثيقة (مسجلة فى 10 ديسكات ومائة فلاشة بالإضافة إلى أكوام من الوثائق الورقية). ويؤكد أن هذه الوثائق تؤكد علاقات وثيقة فى أنشطة إرهابية بين طهران والقاعدة، وأن الـ«CIA» بقرار من البيت الأبيض منعت حتى خبراء أمريكا فى مواجهة الإرهاب أو فى العلاقات مع إيران من الاطلاع عليها تمهيداً لتوقيع الاتفاق النووى مع إيران. لأن نشر هذه الوثائق كان كفيلاً بإدانة كاملة لطهران بالإرهاب الدولى بما سيعرقل تمرير الاتفاق. وتحت ضغوط شديدة من الأجهزة الأمريكية المخابراتية أو أجهزتها المعاونة سواء فى الجامعات أو مراكز البحوث، اضطر البيت الأبيض إلى إطلاق سراح عدة مئات فقط من هذه الوثائق. ونطالع بعض فقرات منها.

ونقرأ فى إحداها رسالة من بن لادن تقول «إن إيران هى الممر الرئيسى لنا سواء للأفراد أو الأموال أو المراسلات ومن ثم فإنه يتعين عدم اتخاذ أى خطوات للمساس بإيران، ولبنان وعلينا أن ننصرف كلياً للقتال ضد الصليبيين والمرتدين»، وكان ذلك يتم فى ظل ترويج القاعدة لدعايات تتهم الشيعة إجمالاً بأنهم كفار.

ووثيقة أخرى من بن لادن يعلن فيها قلقه من تسرب بعض الأخبار عن علاقات القاعدة بطهران ويوصى جهازه الإعلامى بنفى ذلك بشدة. وعندما ترددت القاعدة فى التعاون مع طهران ثم قام أبومصعب الزرقاوى (أمير القاعدة فى العراق) بالهجوم على المراقد المقدسة للشيعة والحسينيات والمؤسسات والأفراد الشيعة، استخدمت طهران ورقة ضغط قوية ضد بن لادن فقامت باحتجاز زوجته وبعض أبنائه فأصدر بن لادن أوامره بإيقاف هذه الهجمات. وبعدها عاد التعاون، وبدأت المخابرات الباكستانية فى ملاحظة تعاون وثيق وعمليات مرور واسعة النطاق لأفراد من القاعدة عبر إيران وباكستان.

وثمة وثيقة خطية من بن لادن موجهة لأفراد من القاعدة مقيمين فى باكستان يقول فيها: «الأخ أبوالسمح المصرى يقيم الآن فى إيران وهو مكلف بالقيام بنشاط إعلامى وتنظيمى باسم «جماعة الجهاد» ومرفق لكم ملف بهذا النشاط، كذلك استقر الأخ عبدالله رجب الليبى (أبو الورد سابقاً) فى إيران».

ورسالة أخرى من بن لادن مؤرخة فى أغسطس 2010 يقول فيها: «إن إخوة مقبلون من اليمن فى طريقهم إلى إيران لكن المخابرات الباكستانية اعتقلتهم، وهناك إخوة آخرون من اليمن وصلوا لإيران وسيبقون هناك لبعض الوقت للمحافظة عليهم».

وهناك وثيقة هامة أخرى مؤرخة أكتوبر 2007 يعلن فيها بن لادن رفضه الشديد لتبنى (الشخص المرسلة إليه هذه الرسالة والذى لم يرد اسمه فى الوثيقة) خطاباً عدائياً ضد إيران. وقال فيها: «وقد كنا نتوقع منكم التشاور معنا فى ذلك لكنكم لم تفعلوا فى هذا الأمر الخطير الذى يمس مصالح الجميع، فأنت تعلم أن إيران هى الممر الرئيسى بالنسبة لنا فيما يتعلق بالأفراد والأموال والمراسلات. وكذلك رأيى بالنسبة للبنان».

وفيما يبدو أن الإيرانيين قد فقدوا الاتصال مع بن لادن لفترة فقاموا بالاتصال بأحد قادة القاعدة فى العراق الذى وجّه بدوره رسالة إلى بن لادن قال فيها: «الإيرانيون مهتمون بإقامة علاقة مع أحد من طرف العمدة (بن لادن) وهم يعتقدون أن الإخوة بالعراق وبالذات الأزرق (الزرقاوى) لهم علاقة بالهجمات على العتبات المقدسة وعديد من الأماكن الشيعية، ولهذا يرغبون فى مقابلة مندوب عن العمدة لمناقشته فى هذا الأمر، وهم يرغبون فى تقديم نوع من الدعم والمساعدة ويريدون بالمقابل رسالة بتوقيع العمدة يؤكد فيها أن الأماكن الشيعية المقدسة والأفراد الشيعة ليسوا من المستهدفات لدى الإخوة، وأن ما يحدث الآن هو موقف محلى وأن العمدة وأصحابه غير راضين ولا موافقين على استهداف هذه الأماكن».

وعندما أعد الإعلام فى القاعدة رسالة تتحدث عن المذهب الشيعى وتقول إنه يقترب من الشرك بالله اعترض بن لادن على توزيعها، مؤكداً أن «المصلحة تقتضى مواجهة أمريكا وتنحية أى مصدر للخلافات جانباً، وأنه من الضرورى التعاون مع إيران طالما استمرت إيران فى التزامها بإلحاق الهزيمة بأمريكا»

وفى رسالة أخرى يقول بن لادن: «المصلحة فى هذه المرحلة تقتضى ألا يدخل المجاهدون فى مواجهة ضد إيران لما فى ذلك من تشتيت للجهد الوحيد الموجه إلى رأس أمريكا. وإن تشتيت الجهد والدخول فى حرب مع طرف آخر أمر منافٍ للحكمة».

وهناك وثيقة تحذيرية وجّهها بن لادن للقاعدة فى العراق يقول فيها: «العراقى الذى يجاهد ضد الكفار الأمريكيين أو حكومة علاوى المرتدة فهو أخونا وولينا، وإن كان فارسياً أو كردياً أو تركمانياً، والعراقى الذى ينضم إلى هذه الحكومة المرتدة ويقاتل معها ضد المجاهدين المقاومين للاحتلال فقد ارتد وكفر ولو كان عربياً».

هذه بعض الأدلة على العلاقة الوثيقة بين طهران والقاعدة من عدد قليل جداً من الوثائق.. ولعل هذا يفسر إصرار أمريكا على عدم كشف باقى الوثائق لأنها كان ستعرقل قبول الاتفاق النووى مع إيران.. ولو نُشرت الآن أو حتى فى المستقبل القريب ستلوث العلاقة بين أمريكا وبين الصديق الجديد. والمطلوب جداً الآن لتخويف دول الخليج. إنها علاقة وثيقة بين الإخوة الأعداء يجمعهم الإرهاب وليس أكثر.