الناس بتحضن بعض لما يسمعوا حجر «سن السكين».. «اللى ما جاش عندنا ما عيّدش»

كتب: محمود عبدالرحمن

الناس بتحضن بعض لما يسمعوا حجر «سن السكين».. «اللى ما جاش عندنا ما عيّدش»

الناس بتحضن بعض لما يسمعوا حجر «سن السكين».. «اللى ما جاش عندنا ما عيّدش»

ثمانية وعشرون عاماً كاملة، اعتاد فيها حسين مصطفى، تاجر مواشى من محافظة أسيوط، المجىء إلى حى السيدة زينب، لعرض بضاعته من الخراف والعجول والماعز، التى يقضى عامه فى تجميعها وتجهيزها من محيط بلدته فى مركز أبوتيج بمحافظة أسيوط، من أجل موسم عيد الأضحى، فى شادر خاص به، وبعض أقرانه، يستأجرونه لمدة شهر أو يزيد من أحد سكان السيدة زينب، حيث يقول: «كل سنة بنيجى السيدة علشان نبيع الأضاحى للأهالى، لأن الناس هنا بتنزل كل يوم تشترى وفى أى وقت، يعنى مش موعد محدد زى ما بيحصل فى الأسواق اللى فى المحافظات اللى بتبتدى من بعد الفجر لحد الضهر وبعدين تخلص، فبدل ما نتنقل بحاجتنا بين البلاد، بنيجى على هنا نقعد شهر أو شهر ونص، ونمشى رابع يوم العيد على بلادنا بعد ما بنخلص بيع ودبيح للأهالى اللى بيحجزوا أضاحيهم عندنا».

{long_qoute_1}

يرى الرجل «الستينى» فى حى السيدة زينب أنه يمثل «مصر القديمة»، التى تحوى عناصر الطيبة والبساطة والوجوه المصرية الأصيلة، ولذلك تحولت إلى سوق كبيرة لتجارة الروحانيات، فى المناسبات الدينية المختلفة، قبل أن تكون لبيع البضائع المختلفة، ومن ثم تشهد إقبالاً كبيراً من قبل جميع سكان المناطق القريبة منها وبعض المحافظات الذين يقصدونها، متسائلاً: «إيه اللى يخلى حد يروح يشترى بضاعته من محل أو اتنين جنب بعض فى أى منطقة، لما ممكن ييجى هنا يلاقى بدل المحل مية؟ وبالأسعار اللى تناسبه، من غير ما ينضحك عليه، لأن الأسعار بتكون موحدة، فمحدش هيقدر يزود عن التانى علشان يكسب زبون»، والأهم من ذلك تنوع البضائع وأسعارها، فمن يرغب فى شراء الغالى والثمين يجد مراده، ومن يريد «لم ليلته» بمبالغ مالية قليلة سوف يستطيع تدبير أموره.

«الحالة الاقتصادية تعبانة، وده مأثر بشكل كبير على حركة البيع والشرا، مش فى السيدة بس، ولكن فى مصر كلها، الناس هتلاقيها من هدوم المدارس ولا لحمة العيد، ولا من أسعار الأكل والشرب اللى مخلية الناس ماشية تكلم نفسها فى الشوارع»، يقول «مصطفى»، وهو يشير إلى اقتراب عيد الأضحى من بدء العام الدراسى، ما وضع الأهالى فى حالة ضيق كبيرة، خاصة فى ظل ارتفاع الأسعار، وإن كان هذا الارتفاع يظل نسبياً بالنسبة للمواشى، التى زاد سعر الكيلو «قايم» فيها حوالى خمس جنيهات فقط، إلا أن حركة البيع والشراء انخفضت لأكثر من 50%، ولعل ذلك كان السبب فى زيادة الإقبال على شراء الخراف صغيرة الحجم، التى تأتى إلى هنا مع تجار محافظة البحيرة، ولا يتجاوز سعرها ألفى جنيه للواحد منها، ومن ثم الابتعاد قدر الإمكان عن «العجول اللحم» والخراف الكبيرة التى تحتاج إلى ميزانية مالية كبيرة يصعب على رب الأسرة تدبيرها فى ظل الحالة الاقتصادية السيئة التى تضرب المجتمع المصرى طوال الشهور الماضية.

«اللى العيد يفوته من غير ما ينزل السيدة زينب يبقى ما عيّدش، ولا هيحس بفرحة العيد، لا هو ولا أسرته، واللى ما يشتريش حاجته من عندنا هيفوته كتير فى جودة البضاعة وفى أسعارها»، يقول ربيع محمود، صاحب شادر جزارة فى حى السيدة زينب، ويؤكد أن غالبية سكان المناطق القريبة من «السيدة» يأتون إليها فى الأيام التى تسبق العيد للاستمتاع بجو روحانى لا يوجد خارج حدودها، يتمثل فى انتشار شوادر بيع المواشى، وعرض محال أدوات الذبح لبضائعها وسط الشارع مع عودة صوت حجر سَن السكاكين للعمل مرة أخرى، بالإضافة إلى رائحة الذبيح التى تطوق المنطقة المحيطة بالمدبح، مما يساعد فى خلق جو روحانى يشبع رغبة الزائرين فى الاستمتاع بكواليس المناسبات المختلفة، وليس عيد الأضحى فقط، لأن الأمر نفسه يتكرر فى كل المناسبات والأعياد.

يستطرد صاحب شادر الجزارة: ارتفاع الأسعار لا يؤثر بشكل كبير على عملية البيع والشراء فى «الحى»، نظراً إلى تنوع البضائع المعروضة، ما بين مواشى وخراف «قايمة» يتم بيعها بالميزان أو بالشروة، وانتشار شوادر الجزارة التى تبيع اللحوم الضانى والبلدية والبتلو وكبيرة السن، وبجوار الشوادر ينتشر بائعو متعلقات الذبائح «كبدة وفشة وممبار وكوارع ولحمة راس»، وهذا الاختلاف يساهم فى تنوع زبائن ورواد المنطقة الذين يأتون إليها بحثاً عن بغيتهم، و«اللى معاه فلوس بيلاقى حاجته، واللى ما معاهوش برضه بيلاقى اللى يناسبه ويروّح مبسوط هو وعياله، وبدل البياع بيلاقى 100 واحد، وده سر استمرار احتضان السيدة زينب لكل المواسم اللى بتهل على المصريين مسلمين ومسيحيين.

وأشار «ربيع» إلى تغيير شريحة كبيرة من البائعين فى حى السيدة زينب للبضائع التى يتاجرون فيها باختلاف الموسم أو الحدث الدينى، ففى موسم عيد الأضحى يبيعون متعلقات الذبائح، ويعمل الصبيان صغار السن داخل المدبح ولدى أصحاب شوادر الجزارة الكبرى، وسرعان ما يتحولون لبيع الفوانيس ومستلزمات الأسرة فى شهر رمضان، وخلال المولد النبوى يتبدل الحال داخل هذه الشوادر لبيع «الحمص والحلاوة»، مضيفاً «الناس اللى بتاكل عيش هنا فى السيدة شغلهم مستمر طول السنة، وبيتغير مع المناسبة، علشان كده متلاقيش شاب فى السيدة بيقعد على قهوة، كله عارف طريقه، واللى ما عندوش شغل بينزل على المدبح كل يوم الصبح وربنا بيرزقه».

حالة من الكساد، وانخفاض نسب المبيعات، ضربت محال أسامة عبدالحميد لبيع السكاكين ومستلزمات الذبيح، على مدار الشهور الماضية، وتستمر حتى الآن مع قرب انتهاء موسم عيد الأضحى، وعلى الرغم من ذلك، يظل الشاب الثلاثينى، الذى يدير محال والده، محتفظاً بجميع العمال الموجودين لديه، حيث يقول «العمال مالهمش ذنب فى إن مافيش بيع، بييجوا قبل مواعيدهم الصبح، ويمشوا بعد ما تنتهى، ومجموعة منهم بيناموا جنب حجر سن السكاكين، علشان ما عندوش مكان تانى ينام فيه، فاللى ذى ده هقول له سيب الشغل وامشى إزاى، وهو جاى من آخر الدنيا علشان يطلع له فى نهاية اليوم بـ30 أو 40 جنيه أول عن آخر».

يشير «أسامة» إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تزيد على 50%، نظراً لارتفاع سعر الدولار خلال الشهور الماضية، والذى يتحكم فى أسعار المواد الخام التى تُنتج السكاكين وباقى أدوات الذبح، الأمر الذى دفع الغالبية من رواد السيدة زينب، للاكتفاء بسن وتنظيف عِدَدهم القديمة وإعادة تجهيزها مرة أخرى، دون القدوم على شراء الجديد، مما أثر بالسلب على كمية البضائع المبيعة من ناحية، وقدوم من يرغب فى الشراء على البضائع الصينية والمقلدة نظراً لانخفاض أسعارها من ناحية أخرى، والتى تحقق هامش ربح بسيطاً، نظراً إلى عدم قدرتنا على رفع أسعارها حتى لا تلقى مصير بقية البضائع «المتلتلة» فى المخازن لكون أسعارها مرتفعة وتزيد عن قدرة الأهالى المالية.

«أول ما الناس بتسمع صوت حجر سن السكاكين بيحضنوا بعض ويتبادلوا التهانى، ومن بدرى الناس بتمر علينا يقولوا لنا ما تفرشوا بضايعكم بقى علشان نحس بالعيد»، الطيبة التى يتسم بها سكان الحى تعد السبب الرئيسى -من وجهة نظر أسامة- فى احتفاظ السيدة زينب دون غيرها بروحانيات المناسبات، بالإضافة إلى وجود مسجدى «السيدة زينب، والإمام على زين العابدين»، وعدد من أضرحة أولياء الله الصالحين، التى تخلق جواً من البهجة والسكون النفسى تطوق جميع أرجاء المكان.


مواضيع متعلقة