الأرض.. العرض المستباح

من يوقف نزيف التعدى على الأراضى الزراعية؟!

تجاوزت التعديات على الأراضى الزراعية كل الحدود بعد أن استباح المخالفون الأخضر واليابس وساعدهم فى ذلك صغار الموظفين بالمحليات فى القرى، الأمر الذى كان سبباً فى ارتكاب المزيد من المخالفات، وانتشرت ظاهرة التعدى فى مناطق الدلتا أكثر منها فى المناطق الأخرى، خاصة فى محافظتى الدقهلية والبحيرة وغيرهما من المحافظات.

كنا دائماً نسمع أن الأرض هى بمثابة العرض عند الفلاح، لا نعلم ماذا حدث وما السبب وراء قيام الفلاح بانتهاك عرضه بيده ليستبدل به أعمدة خرسانية؟ لماذا لم يلتفت أحد من المسئولين إلى السبب الأساسى وراء ذلك، ومحاولة السيطرة عليه؟ فالأرض هى مصدر الرزق للفلاح ليس هو فقط بل قائم عليها اقتصاد دولة بأكملها، لم يلتفت أحد إلى أن هذه الظاهرة تشكل خطراً جسيماً على مستقبل مصر والأجيال المقبلة، فهذه الظاهرة تؤدى إلى تناقص مساحة الأراضى الزراعية، مما يترتب عليه قلة الإنتاج الزراعى، وهو ما يؤدى إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ويترتب عليه زيادة الاستيراد وضعف الاقتصاد، الجميع يطالب بقلة الاستيراد والعمل على الاكتفاء الذاتى من الغذاء والمحاصيل، الجميع يتحدث ويردد دون وعى أو معرفة، لا يوجد صغير أو كبير إلا وتحدث عن القمح المصاب بفطر الأرجوت وكأنه الوحيد الذى يدخل أمعاءنا ملوثاً، للأسف كل شىء أصبح ملوثاً بأيدينا نحن وليس ما نقوم باستيراده، أصبح الضمير غير موجود، فالجميع ينظر لمصلحته الشخصية والثراء السريع دون تعب، الجميع يطالب بالحد من الاستيراد والتوسع فى الرقعة الزراعية للعمل على زيادة الإنتاجية من المحاصيل، والاستصلاح فى الصحراء، أهذا يعقل أن نقوم بتبوير الأراضى الخصبة وتحويلها إلى أعمدة خرسانية للقيام بالاستصلاح فى الصحراء، وكيف نقوم بالحد من الاستيراد والاكتفاء الذاتى وجميع المقومات التى تساعد فى ذلك نقوم بتدميرها بأيدينا؟

دعونا نستعرض بعض المشكلات التى تواجه الفلاح والتى من الممكن أن تكون سبباً فى قيامه بتدمير أرضه، انخفاض العائد من الأراضى نتيجة ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الزراعى، صعوبة تسويق المحاصيل وعدم وجود سياسة سعرية واضحة من الحكومة، تركه لاستغلال التجار، فقد أصبح دخل الفلاح من الزراعة لم يعد مثل السابق فى ظل تدهور أسعار بعض المحاصيل، من أهمها القطن والأرز وأخيراً القمح، فأصبحت الزراعة غير مربحة، لذلك أصبح تبوير الأراضى وبيعها كأراض سكنية يمثل عملية مربحة بسبب ارتفاع أسعار أراضى المبانى.

ولكن ألا توجد هناك أسباب أخرى تساعد فى استمرار نزيف التعدى على الأراضى الزراعية؟ بلى هناك من أهمها التخبط فى القرارات، صدور قوانين عشوائية دون دراسة، عدم وجود مسئول قادر على اتخاذ قرار، عدم وجود استراتيجية زراعية واضحة لدى الحكومة، والأهم من ذلك فساد المحليات الذى يزداد يوماً بعد آخر والبطء فى إزالة حالات التعدى، والرشاوى، ومجاملة بعض الأجهزة لبعض المتعدين من أصحاب النفوذ، والخوف من بطش واعتداء المخالفين، واطمئنان المزارعين بالعفو عن عقوبات التعدى مقابل مبلغ مادى، واستغلال بعض القيادات والمسئولين لنفوذهم، والأهم من هذا وذاك هو إهمال قطاع الزراعة وعدم الاهتمام بالريف، بالإضافة لعدم تحديد الأحوزة العمرانية وعدم وجود حملات تعمل على التوعية بأهمية الحفاظ على الرقعة الزراعية ومكافحة فساد العاملين بالمحليات.

فالأرض الزراعية ليست ملك فرد ولكنها ملك كل المصريين وملك الأجيال المقبلة، والحفاظ عليها وحمايتها من التعديات ضرورة قومية، فالرقعة الزراعية باتت مهددة بالانقراض وللأسف على مرأى ومسمع من كل الجهات الرقابية المخولة بحمايتها، أصبحنا نترك الأرض تُنتهك على أيدى من لا يسعى سوى لمصلحته الشخصية، أصبح الريف المصرى الذى كنا نستمد طاقتنا والهواء النقى منه ما هو إلا أعمدة خرسانية فوق بعضها، والسؤال هنا إلى متى سيظل هذا النزيف مستمراً؟ إلى متى سيظل العرض يُنتهك أمام الجميع؟ وإلى متى ستظل الرشاوى هى العامل الأساسى المسيطر على كل شىء فى حياتنا؟ وإلى متى ستظل الجهات الرقابية غير موجودة سوى اسم فقط؟ كيف لنا أن ننهض بالاقتصاد ونحن نتاجر بقوت أبنائنا لمن يدفع أكثر؟ أفيقوا يرحمكم الله، لن يستطيع المواطن تحمل أعباء أكثر من ذلك.