لا يشكل حكم القضاء الإدارى بوقف الانتخابات البرلمانية هزيمة للإخوان أو انتصاراً لجبهة الإنقاذ. فالقضاء أصدر حكماً قانونياً ولم يتخذ موقفاً سياسياً. نعم هناك تداخل بين ما هو قانونى وما هو سياسى. لكن الحكم لم يصدر بقصد المواءمة السياسية وإنما لإنفاذ نص القانون، وإعمالاً لمسئولية القاضى فى تحقيق العدالة.
ويستحق القضاء الإدارى أن نوجه إليه الشكر، ليس لأنه طبّق القانون، فهذه مسلمة. وإنما لأنه أتاح لمصر فرصة لالتقاط الأنفاس ولكل القوى السياسية فسحة لمراجعة مواقفها. فالبلد منقسم سياسياً ومنفلت أمنياً ومضطرب اقتصادياً واجتماعياً. وذهابه للانتخابات فى مثل هذه الأجواء كان يحمل نذر شؤم. وجاء حكم القضاء الإدارى ليفتح نافذة أمل جديدة لتقديم مبادرات تقرّب وجهات النظر وتعيد آلة السياسة المصرية إلى العمل من جديد.
فرصة جديدة لمصر لعلها لا تضيع. ومزيد من الوقت للتوصل إلى تسوية مرضية من خلال حوار فعلى لا شكلى. والخطأ كل الخطأ أن يُقرأ حكم القضاء الإدارى خطأً. فالبعض اعتبره صفعة للإخوان المسلمين وجرحاً للنرجسية التى اعتلت قادتهم. وهذا غير صحيح لأن شعبية الإخوان متدنية، وهو أمر معلوم لم يكن ينتظر حكماً قضائياً لتأكيده. العكس هو الصحيح. فقد جاء الحكم ليُعطى الإخوان مبرراً للتغيير بإعلانهم احترام القانون، بما يحفظ لهم قدراً من ماء الوجه الذى أُهدر.
وهناك بالمثل سوء فهم لمعنى الحكم على جانب المعارضة. فالحكم ليس منحازاً لجبهة الإنقاذ أو يبرهن على صحة دعوتها إلى المقاطعة لأكثر من سبب. فمطالب الجبهة من الرئاسة تفوق ما اقتصر منطوق الحكم عليه. كما أن الحكم صدر لا ليقضى بمقاطعة الانتخابات وإنما للتأكيد على أن تستوفى الترتيب القانونى الذى يضمن أن تكون عادلة ونزيهة. لم يكن الحكم لصالح جبهة الإنقاذ التى خسرت شعبياً وهى تترفّع ولا تفكر إلا فى المقاطعة. وسوف يخونها التوفيق لو رأت أن الحكم يؤكد على سلامة موقفها. العكس هو الأدق. الحكم يعطيها فرصة لكى تعيد النظر فى مسألة المقاطعة لكى تشارك فى الانتخابات، طالما أن قانون الانتخابات سوف يعدّل بما يلبى واحداً من مطالبها.
صدور حكم القضاء الإدارى فى هذا التوقيت أمر مفيد للحكومة والمعارضة، يفتح الباب لعودة المساعى الحميدة بين الجانبين من أجل حل مرضٍ ينقذ مصر من العنت السياسى والعنجهية من الطرفين. والرئاسة ليس بوسعها أن تكرر ما فعلته من قبل مع القضاء عندما أثارت غضباً عارماً عليها بعد أن أصدرت الإعلان الدستورى فى نوفمبر من العام الماضى. والمعارضة ليس أمامها كذلك إلا أن تذهب إلى الحوار خصوصاً وقد اطمأنت أن قضاء مصر حريص على أن تأتى الانتخابات نزيهة وتجرى وفق قانون مستوفٍ كل الشروط الدستورية ولا يدفع لها مهرولون على حساب الحق والعدالة.
وثمة مبادرات طرحت على الفور بعد صدور الحكم لإغراء المعارضة على التخلى عن المقاطعة ولتشجيع الرئاسة على التواضع فى إحساسها بمعنى سيادة قراراتها. واحدة منها منسوبة إلى مستشار الرئيس للشئون القانونية تقضى بعرض الجبهة أسماء خمس شخصيات على الرئيس مرسى ليختار من بينها نائبين لرئيس مجلس الوزراء، أحدهما للحقائب الوزارية الخاصة بالانتخابات البرلمانية والآخر للملف الاقتصادى. وهو عرض وإن قل عما تطالب به الجبهة من إقالة للحكومة وتكليف أخرى محايدة، إنه يفتح باباً للحوار يجب ألا يُقفل لسببين. الأول لأن قفله قد يفتح أبواباً أوسع للعنف والانفلات. والسبب الثانى لأن القضاء وحده ومهما شكرناه لا يستطيع أن يحل كل المشكلات الواقعة بين السياسيين فى البلد. فيا أيها السياسيون فى مصر.. اتقوا الله فيها وانزلوا من عليائكم واشكروا القضاء الإدارى الذى أتاح لكم فرصة يمكن أن تحفظوا بها مصر وتحفظوا بها أيضاً ماء وجوهكم.