وريث الإله

هشام علام

هشام علام

كاتب صحفي

«أنـا ابن الشـــقاء.. ربيب الزريبــة والمصطبــة وفى قـريتى كلهم أشـــقياء» يهمس لنفسه سرا، كعادة أبناء الريف عندما يدخلون عالم القاهرة، يظن بأنه سيقلب الدنيا رأسا على عقب، سيصير زعيما، ثائرا، طبيبا يشار إليه بالبنان، هو القادم من القعر حتى أخمص المقدمة، من وقف فى طابور العيش ليجلب عشرة أرغفة، من لعب الكرة يوم الجمعة فى الخلاء حتى وإن كانت أرضا غير ممهدة، تربى فى كنف أب طيب يشع نورا فى جلبابه الأبيض وطاقيته الشبيكة كلما تربع أمام حلقات الشيخ الشعراوى، فيما تترقب الأم حلقات «سر الأرض» لتلقى ضحكات مكتومة تتوافق مع لفاتها المميزة لأصابع الكرنب. «وفى قـريتى (عمدة) كالإله يحيط بأعناقنــا كالقــدر.. بأرزاقنـــا بما تحتنــا من حقول حبــالى/ يـلدن الحيــاة» وفى ذات يوم يصبح الأب مسارا للأحداث، عبث الخال برأسه أن يدخل البرلمان، للأسرة الطيبة سيرة حسنة بين أبناء البلدة، بالطبع سيسانده الرفاق فى القاهرة، لديهم من الترتيب والدعم ما يكفل له النجاح، فصار نائبا قويا فصيحا، يجابه ذاك الطاغية «الإله» دون تردد أو تورية، يتيه الصبى بين الصغار: أبى يستطيع وذاك المساء.. أتانـا الخفيـر ونـادى أبى بأمر الإلـه.. ولبى أبى ويبدو أن القدر اصطفاه، فذاك الفقير البسيط غير المهندم، يواجه بالسيف كل المصاعب، ويصبح فى ذات حلم صغير رئيسا، ويبدو كأنما صار المليك وصار الحكيم. «وأبهجنى أن يقــال الإلـه تنـازل حتى ليدعـو أبى/ تبعت خطــاه بخطو الأوز فخورا أتيــه من الكبريــاء/ أليس كليم الإلــه أبى لكن فى عُرف تلك القرية كان الصعود إلى القمة طريقا مهينا، وكى يجتاز الرجل الطموح تلك الصعاب، لزاما عليه أن يتحمل كل المهانة وأن تتراءى له جهادا عظيما يجازى عليه يوم الحساب.. وقفت أزف أبى بالنظــر.. فألقـى الســـلام ولم يأخذ الجالسـون الســلام! رأيت.. أأنسى؟ رأيت الإله يقوم فيخلع ذاك الحـذاء وينهــال كالســيل فوق أبى أهـــذا.. أبى؟ وكم كنت أختــال بين الصغــار بأن أبى فــارع «كالملك»/ أيغدو ليعنى بهــذا القصر؟ يقول الصغير: عرفت بأن وريث الإله عقيم خصى لا يستطيع وفق «دستور» القرية أن يتقلد ذاك الإزار، فكان حريا بأن يتذكر أنه فى نظر من قلدوه زمام العشيرة ومن نصبوه بأنه ليس سوى دمية فقط فى الصدارة، وكلما ظن أنه يستطيع أن يكون الرئيس، يقوم الإله باستدعائه إلى ذلك القصر الفخيم فوق التل العتيق ليلقى على مسامعه درسا بليغا على وجنتيه. يتيه الصبى -ابن الرئيس- على وجهه: أهذا أبى؟ يسام كأن لم يكن بالرجل/ وعدت أسير على أضلعى/ لماذا.. لماذا؟ أهلت السؤال على أميه/ وجدى الضرير قعيد الحصير تولى الجواب: بنى كذا يفعل المرشدون بكل الدمى. * من وحى قصيدة الحذاء للشاعر نجيب سرور.