انتخابات الرئاسة، التى جرت فى مصر فى الثالث والعشرين والرابع والعشرين من مايو عام 2012، تندرج فى سياق أولوية بناء مؤسسات الدولة والنظام الجديد فى مصر عقب الثورة، ورغم ذلك فإن هذه الانتخابات غير مقطوعة الصلة بالعالم العربى، فهى وإن كانت مصرية إلا أن العالم العربى معنى بها إن فى الحال أو الاستقبال.
فمصر الرسمية، التى احتجب دورها العربى والإقليمى فى ظل النظام السابق، فى الطريق لاستعادة دورها المفقود ومكانتها التى تستحقها فى التأثير على مجريات الأمور فى العالم العربى وإقليم الشرق الأوسط.
ولا يبدو ذلك متناقضا مع شعارات وأهداف ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، فرغم أن الثورة المصرية ككل الثورات بدت فى شعاراتها محلية وطنية، تمنح الأولوية لإعادة بناء وتأسيس النظام والدولة على قواعد جديدة ديمقراطية وعادلة، فإن ذلك ليس بمقدوره أن يحجب تطلعات مصر والمصريين لاستعادة دور ومكانة مصر العربية والإقليمية، والاستجابة لثقة وتطلع الملايين فى العالم العربى، الذين يثقون فى قدرة مصر على إحداث التوازن الإقليمى المفقود، والناجم عن احتجاب مصر فى ظل الوضع السابق.
والأمر المؤكد أن تطلع مصر والمصريين لاستعادة الدور والمكانة اللذين تستحقهما مصر يحقق أكثر من هدف فى الوقت ذاته؛ فهو أولاً يستهدف التواصل مع التجربة التاريخية لمصر قديماً وحديثاً؛ فمصر عبر التاريخ كانت قادرة على التأثير فى محيطها الإقليمى والعربى حضاريا وإسلاميا وسياسيا، ويستهدف ثانيا تعبئة الإمكانات والموارد المادية والرمزية التى تمتلكها مصر وتؤهلها للعب هذا الدور، وتشكيل النموذج والقدوة اللذين يتجاوز تأثيرهما حدود الأقطار والأوطان، ويستهدف ثالثاً رأب الصدع فى العالم العربى الذى نجم عن احتجاب الدور المصرى واستعادة العالم العربى ثقته وبحثه المشروع عن دور يتلاءم مع إمكانات العرب ومواردهم فى النظام الدولى.
يتفهم العرب، نخبة ومواطنين وحاكمين ومحكومين، تركيز مصر فى هذه الآونة التى أعقبت الثورة على إعادة البناء الداخلى ومداواة الجروح التى تركها وخلَّفها النظام السابق، ويعرفون أن ذلك مقدمة ضرورية لاستعادة مصر عافيتها وحيويتها ودورها، فمصر القوية والمستقرة هى مصر التى تستطيع أن تستعيد دورها ومكانتها وتؤكد حضورها المتوازن المطلوب فى علاقة العالم العربى بمحيطه وبالعالم.
وبناء على هذا الترابط الوثيق بين البناء الداخلى والدور الإقليمى والعربى، وتلك العرى التى لا تنفصم بين مصر والعالم العربى، الجغرافية والتاريخية والثقافية، فإن الانتخابات المصرية ستأتى برئيس عليه أن يستجيب لتطلعات ثورة الخامس والعشرين من يناير، ليس فقط تلك التى تتعلق بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الفردية، بل أيضا تستشرف دورا عربيا وإقليميا مؤثرا فى العالم العربى ومحيط العالم العربى، خاصة فى ظل التحديات الراهنة التى يفرضها صعود قوة إقليمية غير عربية.
لقد عانت مصر غياب دورها ومكانتها، كما عانى العالم العربى احتجاب مصر، وقد فتحت الثورة المصرية الباب واسعا أمام تحقيق تطلعات المصريين والعرب نحو الديمقراطية والكرامة القومية واستعادة التوازن المفقود فى علاقة العالم العربى بالعالم.