زلزال انتخابى

حازم منير

حازم منير

كاتب صحفي

رغم كل الخلافات المحيطة بتقييم نتائج الانتخابات الأمريكية إلا أن حقيقة واحدة ثابتة هى أن الولايات المتحدة تعيش زلزالاً سياسياً عنيفاً لا يقل عن نظيره الذى أربك مصر فى يناير ويونيو، وخلخل الأوضاع فى دول القارة العجوز، وفى بريطانيا بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبى، وبلا مبالغة كما زلزال البيرسترويكا الذى ضرب الاتحاد السوفيتى السابق وما زال الجميع يعانى جراء ما حصل حتى الآن.

لم يحدث فى تاريخ الولايات المتحدة أن خرج الناخبون ليلة إعلان النتيجة فى مظاهرات تطالب بإبعاد الرئيس المنتخب وترفض الاعتراف به وبنتائج الانتخابات، وهى إن كانت أعداداً قليلة مقارنة بنسب التصويت العامة، إلا أنها تظل فى النهاية تعبيراً عن توجه احتجاجى فى الولايات المختلفة.

ظنى أن اختيار «ترامب» رئيساً بفارق كبير عن منافسته «كلينتون» كشف عن رغبة عميقة لدى غالبية الناخبين فى التمرد على المؤسسة أو الدولة العميقة بالتصويت ضدها واختيار مرشح من خارجها وكل تنويعات أجنحتها التى تعاملت بعداء مع «ترامب».

التصويت لصالح «ترامب» كشف رفضاً مجتمعياً للنخبة السياسية الأمريكية التى احتكرت القيادة لقرون، كما أسقط الأحزاب السياسية ونفوذها المجتمعى، فالرئيس المنتخب أساساً ليس حتى عضواً فى الحزب الجمهورى وإنما هو مستقل على توجهاته وأتاح النظام الأساسى له الترشح على اسم الحزب.

واللافت أن انحياز الناخبين لمرشح من خارج المؤسسة لم يقتصر على الانتخابات العامة، وإنما سبق ذلك انحياز من قواعد الحزب الجمهورى لمرشح من خارجه، وهو ما ربما ينبئ بأن حتى أعضاء الحزب فقدوا الثقة فى قياداتهم السياسية والأبنية الحزبية.

ولا يمكن استبعاد فضيحة الإعلام الأمريكى من تداعيات المشهد، بعد أن أكد بشكل قاطع أكذوبة ادعائه بالمهنية والحيادية والانحياز للقارئ، وهو ما كشفت عنه الحملات العنيفة ضد «ترامب» والاستطلاعات الكاذبة بتفوق «كلينتون» وغيره من الأخبار والتقارير العديدة المضللة عن انحيازات الناخبين.

كتبت السبت الماضى هنا تحت عنوان «الانتخابات الأسوأ» أنها تتم وسط مناخ عام بانقسام مجتمعى فى الأمة الأمريكية، وهو ما أكدته تداعيات الأحداث، ففى الوقت الذى تختار فيه الأغلبية مرشحاً بعينه، تخرج إلى الشوارع قطاعات من المجتمع أغلبها من الشباب ترفض الاعتراف به.

الاحتقان أو الانقسام السائد فى المجتمع الأمريكى لم يمنع ظهور غالبية ضد المؤسسة الحاكمة لكنه أيضاً أظهر وجود كتلتين منحازتين لثقافتين مختلفتين كشفت عنهما شعارات ترامب وكلينتون (مجد أمريكا - أمريكا المنفتحة)، وهو ما أكد عليه أوباما حين دعا للعمل المشترك من أجل إعادة اللُحمة للمجتمع. من الصعب جداً الفصل بين ما جرى فى أمريكا وما يسود العالم كله من أجواء مضطربة أصابت الفضاء الكونى بارتباك وعصفت بالاستقرار السياسى السائد منذ حقب وعهود طويلة، ولم يمنع المحيط الأطلنطى الواسع عبور ثقافة رفض الواقع القائم والانقلاب على المؤسسة والدولة العميقة لتضرب بعنف فى أمريكا، وربما تؤدى لنتائج غير متصورة.

«ترامب» يقود دولة يسيطر الجمهوريون على مؤسساتها السياسية، وفى داخل الكونجرس أنصار الدولة التقليديون، وخارجها تقبع بقية المؤسسات بنفوذها التقليدى العميق تترقب الخطوة المقبلة، وسنظل نتابع لفترة حتى نرى إما قدرة الجمهوريين على إخضاع رئيسهم لمؤسسات الدولة، أو نجاحه هو استغلال المعطيات المحيطة لتغيير الواقع، أو بلوغ صيغة التوافق بين الجميع لتجاوز آثار الزلزال، أو تخلص أحد الطرفين من الآخر.

المعطيات تشير لاستمرار المواجهات بين الأغلبية والمؤسسة التى ما زالت قوية حتى الآن ليظل السؤال إلى أين سنمضى؟