أخبار سد النهضة إيـه؟

لن أتوقف عن طرح هذا السؤال حتى يبين لنا «راس من رجلين» فى هذا الموضوع، فى آخر لقطة تتعلق بتفاعل مصر مع أزمة سد النهضة جاء فى بيان صادر عن الرئاسة: «مصر تساند حق الشعب الإثيوبى فى التنمية، وتؤكد فى ذات الوقت على حق الشعب المصرى فى الحياة باعتبار نهر النيل المصدر الوحيد للماء العذب فى مصر»، على المستوى الإثيوبى كانت أهم التفاعلات خلال الأشهر الأخيرة تحويل المنطقة المحيطة بـ«سد النهضة» إلى منطقة عسكرية تخضع لإجراءات احترازية مشددة فى الدخول أو الخروج منها، كما نُصبت فيها مضادات أرضية دفاعية، إضافة إلى مراقبة الأجواء بشكل كامل لتشكيل ما يشبه منطقة حظر الطيران فوقها دون إذن، أما آخر تفاعل مشترك بين أطراف الأزمة فقد تمثل فى توقيع عقود الدراسات الفنية للسد بين مصر وإثيوبيا والسودان.

حتى الآن الكلام الذى يخرج عن مصر عائم وغائم لا يحمل تصورات واضحة حول كيفية التعامل مع هذه المعضلة، فى حين تبدو إثيوبيا محددة الهدف، واضحة الإجراءات فى التعامل مع هذا الملف، وليس أدل على ذلك مما نشره موقع «اليوم السابع» -أوائل أغسطس الماضى- من أن إثيوبيا انتهت فعلياً من بناء السد يونيو الماضى، وأن البحيرة المجاورة له جاهزة للملء، وقبل ثلاثة أيام أعلن وزير الرى أننا سحبنا 20 مليار متر مكعب من المياه من مخزون بحيرة ناصر، بينما ما تم تعويضه لا يزيد على 3.5 مليار، بسبب انخفاض الفيضان هذا العام! ولعلك تتابع حملات ترشيد المياه التى خرجت من متاحف ودواليب الإعلام -وأضيفت إليها تحف جديدة- لتوعية المصريين بأهمية ترشيد المياه. الترشيد مطلوب ولا شك حتى ولو كنا على نهر لا تتوقف مياهه عن الجريان، لكن يبقى سؤال: الوضع بالنسبة لسد النهضة إيه؟

واضح أن إثيوبيا مصرة على التحدى، وهى تتذرع فى ذلك بأسباب مختلقة، وصلت بها إلى حد اتهام مصر بتحريض الإثيوبيين على الثورة ضد النظام هناك، فى الوقت الذى نفت فيه الخارجية المصرية ذلك، ولعلك سمعت عن المواطنين المصريين المحتجزين حالياً فى إثيوبيا، دون أن نعلم مصيرهما. تذرع إثيوبيا بأسباب واهية أتى بعد أن أصبحت قاب قوسين أو أدنى من إتمام مشروعها، ليبدو الأمر وكأنه «جر شكل» لمصر للتغطية على خطوة أصبحت متوقعة بملء السد طبقاً للخطة الإثيوبية، التى ستكون لها نتائج سلبية على نصيب مصر من مياه النيل خلال السنوات المقبلة، والسؤال ما هى خطة مصر للتعامل مع «الصلف الإثيوبى»؟ بإمكانى أن أستوعب ضرورة استخدام عبارات دبلوماسية فى مواقف معينة، لكن ما يتعشم فيه الناس أن يكون لدى الدولة المصرية تصور محدد للتعامل مع معضلة سد النهضة، وفى تقديرى أن الأزمة وصلت إلى مرحلة تفرض علينا تنويع الخيارات، ومد كل الخطوط على استقامتها، دون تحفظ، ذلك أقل ما يجب على الأنظمة والحكومات وهى بصدد حماية شعوبها من تهديدات يصح أن توصف بـ«الوجودية».