خلال سنوات دراستى الخمس فى جامعة الأزهر، كنت أرقب عن كثب أنشطة أسرة «جيل النصر المنشود»، إحدى الأذرع السياسية لتنظيم الإخوان داخل هذا الصرح الذى أشرف بالانتماء إليه، كانوا يسعون إلى استقطاب الطلاب الجدد بشتى الطرق، المنتسبون للإخوان من الأزهر قلائل، قاصدو الأزهر الوسطى من الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة لا تغريهم اجتهادات سيد قطب أو مخططات «البنا» أو تربية السمع والطاعة، حفظوا القرآن كاملا وأترابهم فى الجماعة يتعثرون فى «والنازعات» وجوّدوه ورتلوه وغيرهم يتباهى بأنه حفظ «قد سمع»، وتشربوا الفقه، وأقرانهم -وما لطالب الأزهر قرين- يفسرون «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
الأزهر نقطة ضعف الإخوان، يفضحهم، يكشف ضعفهم وتلونهم، مشاربه واسعة متنوعة تتسع للجميع، هو أحد أهم مفاصل الدولة، مثله مثل الجيش والمخابرات والشرطة والإعلام، حاولوا السيطرة على ما استطاعوا، ونجحوا حينا وفشلوا أحيانا إلا الأزهر «فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا»، هجمتهم الشرسة ضد «الإمام الأكبر» كانت ساذجة ومفضوحة، الأزهر يا «إخوان» مثل الأسد، يمرض لكن لا يموت، مرارا حاول رؤساء «حقيقيون» وملوك أن يدجنوه، أن يدخلوه حظيرة الحاكم، ولكن هيهات هيهات، وبقى الأزهر ورحل الآخرون.
يقول الشاعر أحمد مطر فى وصف أقوام ابتلينا بمثلهم:
وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشا وباعكم فنونه
وقال: «إنى راحل، ما عاد لى دور هنا، دورى أنا أنتم ستلعبونه».
خلال سنواتى بالأزهر، كانت جماعة «النصر المنشود» تترقب أى عدوان على غزة لتخرج وتلعن النظام المارق الخائن العميل، أذكر جيدا مظاهرات ما بعد مقتل الشيخ أحمد ياسين وخليفته عبدالعزيز الرنتيسى، خرجت الجامعة عن بكرة أبيها، طلاب الأزهر بطبيعتهم ملتزمون مؤمنون بحق بالقضية الفلسطينية، ساعتها وقف أحد طلاب الإخوان محمولا فوق الأعناق هاتفا: «ماذا لو كان يحكمنا اليوم صلاح الدين؟ هل كان سيترك اليهود على أرض فلسطين ليهنأوا ساعة؟ خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود».
كانوا، ويا لسذاجتهم، يرددون ما يمليه عليهم قادتهم على أسماعهم وكأنه قرآن يتلى: «الخلافة، تحرير فلسطين، الجهاد فى وجه أمريكا والغرب»، وما إن وصل صلاح الدين «العياط» إلى سدة الحكم حتى تبدد حلم الخلافة، وأصبح أفضل «الجهاد» جهاد النفس «المعارضة» الممولة الأمارة بالسوء، واكتفت «فلسطين» بما لديها والحمد لله على نعمة السلام العادل والآمن، وأصبحت «أمريكا» هى الغوث، و«الغرب» هم أصحاب القرض «السماوى» المعجز، الذى فعل الإخوان من أجله كل شىء ولم يرض عنهم سادتهم بعد، وكأنما تحول اسمهم إلى «جيل القرض المنشود».
وغاية الخشونة أن تندبوا:
قم يا صلاح الدين قم
حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة
كم مرة فى العام توقظونه؟
كم مرة على جدار الجبن تجلدونه؟
أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة؟
دعوا صلاح الدين فى ترابه واحترموا سكونه
لأنه لو قام حقا بينكم فسوف تقتلونه
خلاصة القول: إنه لو اجتمع الإخوان على قلب رجل واحد ليدجنوا الأزهر بقامته وعلمائه ومشايخه، فلن يفلحوا إذن أبدا، الجهاد عند طلاب الأزهر جهاد عقيدة وأرض وعقل، والوطن عند أهل الأزهر مثل «العرض» لا يضاهيه شىء، طلاب الأزهر تعلموا النحو من ألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل، وتعلموا التفسير من الثعلبى ودرسوا علوم الحديث والتوحيد والبلاغة وأصول الدين والفقه المقارن، والحق أقول لكم، يا «إخوان» الحكم و«إخوان» أمريكا و«إخوان» إسرائيل.. إلا الأزهر.