نزول وطلوع

أحياناً ما تكون اللغة أكثر دلالة على جوهر الوجود أكثر من أى عنصر آخر، فى الفترة الأخيرة تتكرر هذه العبارة: «تفتكر الجيش حينزل إمتى؟». لا أذكر أننى سمعت هذه العبارة خلال ستين عاماً عشتها بكامل وعيى كان الجيش مرتبطاً بالحدود، بالصحارى المحيطة، بالأعداء من الخارج، لذلك كان اللفظ المعبر هو الطلوع للتحرك نحو الحدود الشرقية أو أى اتجاه آخر يمثل تهديداً، الطلوع للعدو الخارجى، والنزول للعدو الداخلى، النزول أقل أهمية رغم أنه أخطر؛ لأنه استثناء، فليس من حركة الجيش الذهاب إلى عكس مهامه، عكس اتجاهه، إذا تحرك الجيش فالمنطق أنه يمضى إلى الأمام «يطلع»، يطلع من المدينة إلى الصحراء، من المعسكرات إلى الواقع، لذلك كانت أماكنه دائماً على الأطراف، بعيداً عن الزحام الإنسانى والتكدس البشرى، من أكثر الأماكن التى تكشف عندى الإحساس بالأبدية، بالحدود اللانهائية للوجود، بعض معسكرات الجيش النائية، خاصة فى الهايكستب والصحارى البعيدة، أذكر عندما خرجت من أنشاص، مقر قوات الصاعقة، فى طوابير سير كانت تمتد لمئات الكيلومترات أن التعبير المستخدم هو الطلوع، «حنطلع الصحراء الليلة»، «هيطلع إمتى الطابور»، الآن يتساءل الناس: «تفتكر الجيش حينزل إمتى؟». النزول يعنى أن المقصود فى المكان الأعلى، الأرفع، كناية عن موقع الجيش «الجيش حينزل ولا لأ». النزول إلى الداخل، أخطر الأعداء من كان فى الداخل، من يأتى من الخلف، فما البال بمن يأتى من القلب، من الصميم، هذا هو الوضع الاستثنائى جداً الذى يواجهه الجيش المصرى، آخر خط فى الدولة المصرية مع المؤسسات الأمنية القومية مثل المخابرات العامة والمخابرات الحربية ومخابرات الحدود، هل سمع أحد عن مخابرات الحدود؟ إنه أقدم تشكيل عسكرى على مستوى العالم نستطيع أن نلمح جنوده على جدران المقابر الفرعونية، كان الواجب الأول الذى يقسم الفرعون على احترامه فى العالم الآخر، أنه صان الحدود وحقق العدل، كان الفراعنة محاربين أشداء عدا أخناتون الذى وضع بذرة النهاية لحضارة عظيمة وسوف أفسر ذلك، أما هذه الفترة فإننى منشغل بالجيش المصرى وأول وضع استثنائى يواجهه، فلأول مرة يصبح العدو المتآمر من صميم الداخل، بل من داخل الداخل، الوثائق المنشورة فى «الجارديان» تسربت من مواقع رسمية تمت تسميتها فى سائر وسائل الإعلام، أين الحدود الفاصلة فى السلوك، أين الحدود، أين؟ إذا فرطنا فى الحدود المعنوية فإننا نفرط فى الحدود الجغرافية والتاريخية، لا أدرى أى المصطلحين نستخدم مع هذا الوضع الجديد، الطارئ، «مواجهة الجيش لداخل الداخل» هل يجب الطلوع أم النزول؟ فلنتأمل الأوضاع والملامح فى الصور ونتوقف كثيراً عند وحول وأمام وخلف. طلوع أم نزول؟ متى وأين؟ الآن ليس أمامنا إلا السؤال والانتظار.