«الوطن» تقضى يوماً كاملاً مع «جامع قمامة»

كتب: حسن عثمان

«الوطن» تقضى يوماً كاملاً مع «جامع قمامة»

«الوطن» تقضى يوماً كاملاً مع «جامع قمامة»

أذان الفجر ينطلق من مكبرات صوت جامع عمرو بن العاص فى منطقة مصر القديمة، وتنطلق معه نسمات تنعش القلوب والأبدنة، وبزوغ شمس نهار جديد، لنهار ملىء بالكد والعمل، ومع تكبيرات الصلاة فى المسجد، تصيح الأم بصوتها الجهور لتوقظ زوجها، وأبناءها، بكلمات تحفزهم على الخروج لأكل العيش. هنا تعيش أسرة من 4 أبناء؛ بنتان وولدان، وزوج وأم. تجهز السيدة طعام الإفطار، ويستيقظ الأب ويرتدى ملابسه المتواضعة، ويخرج من منزله البسيط ذاهباً للمسجد لأداء الصلاة، يتبعه ابناه، يعودون معاً ليجدوا طعام الإفطار جاهزاً «عيش بلدى وجبنة بيضاء مع طبق فول وبصل ومخلل»، يمد الأب يده ويتناول إفطاره ثم الأبناء، ويذهب لعمله الذى لا يمتهن غيره «بائع خضار» على عربة كارو، وهى المهنة التى رفض ابنه عمر خالد رجب، صاحب الـ16 عاماً، العمل بها وقرر العمل حراً فى جمع القمامة.

{long_qoute_1}

ينتهى «عمر» من تناول الإفطار ويرتدى ملابس العمل، ويخرج من بيته متوجها لصاحب المخزن الذى يؤجر له عربة كارو بالحمار، مقابل الحصول على ما يجمعه من «علب كانز فارغة» والطأطأ أو «زجاجات المياه البلاستيك الفارغة»، فى المقابل يحصل «عمر» على ما يجمعه من كارتون.

«الوطن» قضت يوماً كاملاً مع جامع القمامة صاحب الـ16 عاماً، حيث بدأنا من أمام منزله فى مصر القديمة، يقول «عمر»: «بشتغل فى جمع الزبالة بقالى 6 سنين، ويمكن أكتر، أبويا وجدى كانوا بيشتغلوا فى الشغلانة دى من زمان، وأنا ورثتها عن أبويا، بس هو تعب منها فقرر يشترى عربية كارو وحمار، يبيع خضار فى المناطق القريبة منا زى السيدة عائشة ومدينة الفسطاط الجديدة، أنا محبتش أشتغل بياع خضار معاه، قررت أكون حر نفسى، وماشتغلش مع حد ولا عند حد، أشتغل عند نفسى وبس». ويبرر عدم عمله كبائع خضار مع والده قائلاً: «مابحبش حد يتحكم فيا، كدا أحسن، يعنى شغلى وأنا حر فيه، ولا حد يتحكم فيا».

يأخذ «عمر» العربة الكارو ويذهب لمنطقة عمله فى «الدقى»، حيث اتفق مع سكان إحدى العمارات، قرب ميدان المساحة، على جمع القمامة مقابل 30 جنيهاً من الشقة الواحدة كل شهر، ويقول: «كل يوم بنزل من البيت نحو الساعة 6 الصبح، بروح على الراجل صاحب المخزن، باخد منه العربية الكارو والحمار، وطبعاً ده له مقابل، بياخد منى كل اللى بجمعه من علب الكانز الفاضية، وزجاجات المياه البلاستيك، عندى عمارتين فى الدقى بلم منهم الزبالة بتاعتهم، وباخد من كل شقة 30 جنيه، يعنى فى كل عمارة نحو 15 شقة ساكنة».

{long_qoute_2}

أحد بنود الاتفاق بين «عمر» وصاحب المخزن، هو توفير أكل الحمار يومياً، ويقول عنه: «لما اتفقت مع صاحب المخزن على إنه يدينى العربية الكارو قالى لازم تأكل الحمار بـ 10 جنيه عليقة تبن وفول، يومياً، ونحو 15 جنيه برسيم، يعنى الحمار بياكل كل يوم بنحو 25 جنيه، هعمل إيه يعنى؟ ده اتفاق، وبيعتبر الحمار أهم حاجة لأنه هو اللى بيجر العربية».

عقارب الساعة تشير إلى السابعة صباحاً، وأمام إحدى العمارات يقف حارسها ممسكاً فى يده فوطة لمسح السيارات. يلقى «عمر» السلام على الرجل ويبادله الآخر التحية بابتسامة عريضة، ويأذن له بدخول العمارة، فيصعد السلم بخفة ورشاقة معهودة ينظر أمام كل شقة حتى يطمئن بأن الرزق هذا الصباح كبير، لا يحمل أى قمامة من الطابق الأول، بل يجب عليه الصعود للطابق الأخير أولاً، وبأدب شديد يطرق «عمر» أبواب الشقق، طرقات تعود عليها جميع السكان كل صباح، يعلمون أنها طرقات «عمر»، يفتحون له الباب، يعطونه ما لديهم من قمامة، وأيضاً ما لديهم من أطعمة صالحة: «بوصل هنا كل يوم الساعة 7 الصبح، لازم أطلع آخر دور الأول، علشان أجيب الزبالة وأنا نازل، بس لما بتكون الزبالة كتير يبقى الرزق خير، لكن لو قليلة يبقى ربنا يسترها، بأجيبها وأنا نازل، ممكن العمارة آخدها على 3 مرات، لغاية لما تنضف خالص، كل السكان فى العمارة عارفينى، وبيفتحوا لى الباب على طول من غير كلام، بيعرفوا صوتى، بيدونى الزبالة وساعات تانية ممكن أكل سليم آخده البيت معايا».

ينتهى «عمر» من جمع قمامة العمارة الأولى، ويذهب بها لأقرب صندوق قمامة فى الشارع ويبدأ تفريغ ما لديه من أجل فرزه، ويأخذ كل ما يصلح له مثل الكارتون والورق والكتب والجرايد وزجاجات المياه الفارغة والزجاج والكانز والخبز الجاف، ينتهى مما لديه، ثم يعود ليصعد العمارة الأخرى. يستغرق العمل فى تنظيف العمارتين من القمامة نحو 4 ساعات وينتهى منهما نحو فى نحو 10 ونصف تقريباً، بعدها ينتقل إلى عمل جديد، قائلاً: «أنا بخلص تنظيف العمارتين نحو الساعة 11، بعد كدا بدور على أى صندوق زبالة فى الشارع وأدور على الحاجات اللى ممكن أستفيد بيها زى الورق وعلب الكراتين الفاضية، ممكن وأنا ماشى أى واحد صاحب محل ينادى عليا ويدينى شوية كارتون وده بقى يبقى رزق كبير من عند ربنا».

{long_qoute_3}

يبيع «عمر» كل شهر نحو طن ونصف الطن من ورق الكارتون، ويبلغ سعر الطن نحو 600 جنيه ويقول: «أنا مابعرفش أروح غير لما أملا صندوق العربية دى ورق كارتون، ببيع كل شهر طن ونص وربنا بيعوضنى فى الكارتون ده خير لأن صاحب العربية الكارو بياخد منى علب الكانز، علشان كدا بأدور على كارتون طول الوقت».

ويتمنى «عمر» أن يشترى سيارة ربع نقل للعمل عليها، خصوصاً أن هناك مشاكل كبيرة تواجهه أثناء السير فى الشوارع باستخدام العربة الكارو: «الناس مبقاش عندها صبر خالص، بكون ماشى بالعربية الكارو فى الشارع وكل شوية يزمروا بيدوشونى وساعات كتير الناس بتنزل تشتمنى، أنا مبردش عليهم وبقول لهم ربنا يسامحكم، علشان كدا نفسى أشترى عربية ربع نقل أقدر أتحرك بيها بسرعة، وتكون أسهل من الكارو، وعلى الأقل هتكون بتاعتى، وأستفيد أنا من كل اللى بجمعه، وإن شاء الله هحوش فلوس وأشتريها».

لم يستكمل «عمر» دراسته وتركها بسبب العمل ومساعدة والده، بالرغم من أنه كان متفوقاً: «كنت نفسى أكمل تعليمى لكن ربنا ما أرادش، الشغل ومساعدة أبويا مهمة صعبة، وكنت لازم أقوم بيها، إحنا غلابة فعلاً ومفيش حد جنبنا، إخواتى البنات عايزين يتجوزوا ولازم أساعد أبويا فى تجهيزهم».{left_qoute_1}

«عمر» لا يعلم أن هناك شركات أجنبية تعاقدت معها الحكومة لتنظيف القاهرة، ولا يعلم أن عقد هذه الشركات أوشك على الانتهاء: «شركات إيه اللى بتنضف القاهرة، ولا نعرف عنها حاجة، اللى بيلم الزبالة كلهم مصريين، واللى بينقلها من الشوارع الحى وعربيات الحى، يعنى موضوع الشركات الأجنبية ده مفيش حد يعرف عنه حاجة، ياريت يسيبولنا البلد وإحنا ننضفها».

يعود «عمر» إلى بيته بعد قضاء يوم طويل من العمل يضع الكراتين التى جمعها فى المخزن، ويعيد الحمار والعربة الكارو إلى صاحبهما.


مواضيع متعلقة