المجد للبسطاء!
- التطرف والعنف
- القوانين المنظمة للإعلام
- بث الفرقة
- حرية التفكير
- حرية الرأى
- شهادة الدكتوراه
- شهادة الميلاد
- علاج نفسى
- فات الميعاد
- مستقبل أفضل
- التطرف والعنف
- القوانين المنظمة للإعلام
- بث الفرقة
- حرية التفكير
- حرية الرأى
- شهادة الدكتوراه
- شهادة الميلاد
- علاج نفسى
- فات الميعاد
- مستقبل أفضل
ترددت كثيراً فى وصف من أحبهم، وأرى استحقاقهم الوطنى والإنسانى للمجد، بكونهم بسطاء. ومرجع هذا التردد يعود إلى الخلط الخاطئ بين البساطة والسطحية أو الجهل، وهذا أبعد ما يكون عما نعنيه. هنالك من يرى استحالة وجود «إنسان بسيط» بالمعنى الحرفى للعبارة، لأن كلاً منا محصلة كم معقد من العوامل المتداخلة والمتفاعلة التى يطول شرحها. وهذا صحيح تماماً، لكنه يختلف عن المقصود هنا، الذى يتمثل فى مواقفه attitudes الوطنية والإنسانية، التى يتخذها فى ضوء العوامل المشار إليها. وبمعنى آخر، مجمل قيمه وأخلاقياته وسلوكياته، وموقفه من الانتماء إلى وطنه والمشاركة المخلصة فى مواجهة تحدياته، ورحابة نظرته إلى غيره بوضوح وتسامح، وعدم التحول إلى العداء والبغضاء عند الاختلاف؛ ورفضه لثلاثية التطرف والعنف والإرهاب، ولا يسيس الدين من أجل مصالحه الدنيوية، لكنه يعمل على إعمار الدنيا إرضاءً لدينه وإسعاداً لدنياه ودنيا غيره من بنى البشر بقبول وتسامح. باختصار، هو إنسان يمكن الاطمئنان إليه والعيش المشترك معه، ولذلك كله يستحق المجد.
والحقيقة أن هذا الإنسان السابق وصفه ليس «إنساناً افتراضياً» لكنه منتشر على طول البلاد وعرضها، يعانى من واقع صعب ويأمل فى مستقبل أفضل، وفى كل ذلك، لديه «بوصلة حضارية» يتخذ مؤشرها دائماً نحو صالح الوطن. وهو «مثقف عضوى»، بالمعنى الحياتى بالواسع للثقافة، سواء أكان حاصلاً على شهادة الدكتوراه أو سيلقى ربه وليس لديه إلا شهادة الميلاد. فمصر ليست «بلد شهادات»، لكنها «بلد حضارات». ولعل ذلك يفسر روعة بوصلته، التى تجعله يتخذ دائماً القرار الصحيح عندما يواجه التحديات المصيرية بوحدة الصف والهدف. وهذا ما لا يعجب النوع الآخر من البشر معقدى الشخصية، سواء الذين ضللوا أو الذين امتهنوا التضليل، مرضاً أو غرضاً. وإذا كان من واجب المجتمع أن يستنقذ المرضى ويعالجهم، فإن عليه أيضاً أن يكشف المغرضين، ويحاسب من يستوجب الأمر حسابه. عليه أن يفند ادعاءاتهم، ويفضح ما يقومون به من خلط للأوراق، كأدوات فى تضليل غيرهم، رافعين لافتات نؤمن بها أكثر منهم، ونختلف عنهم فى توظيفاتها، نراها لازمة لمستقبلنا، ويرونها قابلة للاستخدام المغرض لبث الفرقة والتشكيك واليأس. دعونا لا نتحدث عن العمالة لأعدائنا، فهذا أمر أمنى لا نؤكده أو نستبعده، لكننا نتحدث عن الانحراف الذى أصابهم، ويحاولون جرنا إليه.
ولعل من المفيد هنا محاولة تشخيص هذا الانحراف، ودعوة من هم أكثر منا تخصصاً فى مساعدتنا عليه. لن نتحدث كثيراً عن المرضى، الذين طالبنا بعلاجهم، ولكن سنتحدث عن الميكروبات التى أمرضتهم. هذه الميكروبات تتركز فى قطاع محدد من «النخبة/النكبة»، مع كامل تقديرنا «للنخبة/الطليعة»، التى تثرى حياتنا الفكرية وانتماءنا الوطنى (وأعترف أننى أفضل وصفهم بالطليعة الفكرية، لما لحق بمفهوم النخبة من خلط). وفى معرض التشخيص المبدئى، الذى يقبل النقد أو النقض، أرى أن مشكلتهم غريبة نوعاً ما: لقد أخذوا أكثر من حقهم، فتسرطنت شخصياتهم، وانتشرت أطماعهم خارج إطار الانتماء الوطنى ومناعيته الحضارية. لم يحدث ذلك بين يوم وليلة، لكنه حدث تدريجياً وتراكمياً، حتى صار سنة حياتنا الإعلامية بملامحها السلبية الواضحة، وتكرس تماماً بعد يناير 2011، صارت مصر للأسف، وكما كررنا أكثر من مرة، «جنة للمديوكر» المتعاطين بغير علم، المنتفخين إعلامياً ومالياً بشكل يثير الشبهات، والمارقين فكراً وفعلاً بالمعارضة على طول الخط. لقد أساء أمثال هؤلاء إلى الكثير مما هو مفيد ومطلوب، المعارضة البناءة، حرية التفكير والتعبير والإبداع، ووحدة الصف فى مواجهة حربنا متعددة الجبهات مع الإرهاب الذى يحيط بنا والظروف الاقتصادية التى نعانى منها، ولا يتورعون عن استغلالها.
من الموضوعى الاعتراف بعدم امتلاك تفسير كامل لهذه الظاهرة الثقافية السلبية، لكننا نراهن على أن بسطاء هذا الوطن، بالمعنى الذى أوردناه سابقاً لهم، لن يتأثروا كثيراً بهم، أو هكذا نأمل. وإن كنا نخشى من صدق المثل الشعبى القائل بأن «الزن على الودان أقوى من السحر»، لا قدر الله. وفى نفس الوقت نرجو أن تعمل القوانين المنظمة للإعلام على حصار هذه الظاهرة، وليس حصار حرية الرأى. ولا نظن أن احترام «المهنية» فى الأداء الصحفى والإعلامى والثقافى بوجه عام يتعارض مع ذلك. هل يمكن أن يعود المارقون إلى ثكناتهم أم «فات الميعاد»؟ وإذا أحسنا الظن، واستبعدنا غيره، هل يحتاج البعض إلى علاج نفسى، يعيد توازنهم الوطنى؟ إننا نحمد الله على توافر هذا «التوازن الوطنى» فى بسطاء هذا البلد العزيز، الذى يعيش فينا ونعيش فيه. المجد لهم، ولو كره الكارهون.