المستقبل: فكر وفعل.. علم وفن!
- أشكال مختلفة
- المعايير المزدوجة
- عام جديد
- فن الرؤية
- مستقبل أفضل
- مشكلات البيئة
- أجا
- أخلاق
- أرض
- أشكال مختلفة
- المعايير المزدوجة
- عام جديد
- فن الرؤية
- مستقبل أفضل
- مشكلات البيئة
- أجا
- أخلاق
- أرض
مع حلول عام جديد، يختلط الحديث عن حصاد العام الذى مضى بآمال ومخاوف وتوقعات العام الوليد. وهذا أمر طبيعى، فالإنسان «كائن مستقبلى» يعيش فى ظل استمرارية الكثير من ملامح الماضى والحاضر، ويدرك فى الوقت نفسه استمرارية التغيير، مع اختلاف إيقاعاته الظاهرة أحياناً، والمتراكمة تدريجياً فى أغلب الأحيان. هو التطور بأبسط معانيه، لذلك من الصحيح أن نقرر أن «التغيير هو الثابت الوحيد»، وإن كان من الصحيح أيضاً استيعاب أن يجرى فى مجال يتسم بكثير من جوانب الاستمرارية الواقعية، التى تؤثر فى إيقاع المتغيرات Changes وما ينجم عنها من تحديات Challenges وما تستدعيه مواجهة هذه التحديات من خيارات Choices (3C›s). هذا مع عدم استبعاد ما يسميه المفكرون المستقبليون بالأوراق الوحشية Wild cards ضئيلة الاحتمال، عظيمة الأثر، التى تؤثر على الحالة البشرية، مثل الكوارث الاقتصادية والصحية والطبيعية.
فى ضوء ما سبق، نطرح السؤال: كيف يتعامل الإنسان، هذا الكائن المستقبلى كما عرفناه، مع إشكالية المستقبل؟ لقد فضّلنا أن نُلخص الإجابة فى عنوان المقال، ذاكرين أنه يستلزم الفكر والفعل، ويُوظف العلم والفن. إن المستقبل لا وجود له فى الواقع، لكنه موجود «بكل» احتمالاته فى مخيلتنا، وإن كانت كلمة «كل» تستدعى بعض التريّث والتواضع، ليس فقط بسبب الكروت الوحشية، لكن بسبب اختلاف كفاءة التخيّل عند البشر. لكن الحقيقة الواقعة بأن المستقبل يوجد فى مخيلتنا تؤكد البعد الأول فى الإجابة: إنه فكر، لكنه، كما يقول إدوارد كورنيش، الذى كان رئيساً لجمعية مستقبل العالم لمدة طويلة، غير قابل للاختبار العلمى. نحن لا نستطيع أن نأخذ عينة من المستقبل، لاختبارها معملياً، كما يحدث بالنسبة للعلوم المنضبطة كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، لكنه يمكن أن يكون فكراً واعياً، تقوم به عقلية ذات قدرة تحليلية وكفاءة فى الاستقراء والاستنتاج. وهذا يقترب من العنصر الأول فى التوظيف، أى العلم الاجتماعى بالذات.
وإذا ما اتفقنا على أن انشغال الإنسان الكبير بالمستقبل، لأنه كما يقال الزمن الذى سنعيش فيه، يجب أن يقوم على الفكر الواعى الذى يستلهم العلم اقتراباً من الدقة قدر الإمكان، فماذا يفعل حياله؟ لقد مضى زمان التنجيم، الذى تضج به قنواتنا التليفزيونية حتى الآن، وخرافات البلّورة السحرية، وجاء أوان اكتساب فن الرؤية والنظرة بعيدة المدى The Art of Long- term view للتعامل مع ما ذكرناه سابقاً عن المتغيرات والتحديات، لنُحدد ما يلزم من خيارات. هكذا يمكن للإنسان ألا يقعد فى انتظار مستقبله، لكن يحاول أن يصيغه وفقاً لأفضل تخيلاته الممكنة، وإمكانياته المتاحة. ومن الطبيعى أن نجتهد فى الاقتراب من المستقبل المفضل قدر الطاقة، فكراً وفعلاً، علماً وفناً.
وإذا كنا قد تحدثنا فى كل ما سبق عن الإنسان ككائن مستقبلى، فهو أيضاً «كائن اجتماعى»، ليس له مستقبل فردى. بل نرى أن التقدم العلمى والتكنولوجى، جعل المستقبل كوكبياً. إنه مستقبل مشترك لكل من يعيش على ظهر هذا الكوكب. لذلك عليهم معاً التعامل مع المتغيرات والتحديات، والاتفاق حول الخيارات، سعياً وراء المستقبل الأفضل للجميع. هذا ما يجب أن يكون، وليس ما هو كائن، وإن كان علينا أن نؤمن بأنه ليس مستحيلاً. ولعلى أجازف بالقول إن المتغيرات المتراكمة، حتى إن كانت غير ظاهرة بالقدر الكافى، ستسير فى هذا الاتجاه. أعلم أنه رأى خلافى، لكن التاريخ يعلمنا، وإن كان البعض قد يحتج بأننا نلجأ إلى الماضى فى الحديث عن المستقبل، رغم ذكرنا استمرارية ملامح الماضى والحاضر فى المستقبل، أن هذا الكائن المستقبلى المجتمعى هو أيضاً «كائن قادر على البقاء». فعبر مسيرته الطويلة، بقى الإنسان رغم الصراعات والحروب والكوارث بجميع أنواعها، واستعمر الأرض كلها وعمرها، بل إنه يفكر فى استعمار الفضاء. لنقل ما شئنا عما يواجهه من تحديات، كالإرهاب والفقر والفجوة الهائلة بين الأقوياء والضعفاء ومشكلات البيئة، ناهيك عن المعايير المزدوجة والطائفية والعنصرية.. إلخ، ألم يقابل مثل هذه التحديات من قبل، ولو بأشكال مختلفة؟ لكنه بقى وسيبقى، لأنه أيضاً «كائن أخلاقى» Ethical Animal، كما يقول العلم، وإن كنت قد فضلت استخدام «كلمة كائن»، حتى لا أُغضب من يتحفّظون على الحقيقة، دون مبرر عقلى أو دينى، وأعتذر لمن يرى فى ذلك ماضوية، لا تتناسب مع «حديث المستقبل». كل عام والبشر جميعاً يقتربون من مستقبل أفضل، رغم أنف القلة اللاأخلاقية، التى يُبتلى بها البشر فى كل زمان ومكان.