المواطن الهادر يهدر اسم «هدير»

«هدير» فتاة المدونة، فتاة مصرية، تعيش بيننا، أعلنت قضيتها على الملأ، مستنجدة بالرأى العام وبالناس، فانقسم الناس بشأنها واحتاروا بأمرها.

أعلنت الفتاة أنها تمسكت بجنينها ولم ترغب بالتخلص منه، أذاعت اسم زوجها «عرفياً» كاملاً، وقصت القصة كاملة، بأنه تملص من الزيجة ومن الجنين، فأمسكت هى بطفلها وأعطته حياة واسمها.

ثار الشعب المتدين وانهال على الفتاة بأسواط وأصوات الغضب، (عاهرة، ماجنة، تجاهر بالمعصية) وبال هى على مجتمعنا المقدس! بالله عليكم كيف تحكمون؟

ما رأى المدينة الفاضلة بأمهات يلقين بأجنتهن ومواليدهن فى نفايات المزابل!! تارة يموتون من البرد وتارات تأكلهم القطط والكلاب الضالة، وفى أحسن الحالات يكون مكانهم دور رعاية الأيتام وما أدراك ما دور رعاية الأيتام ببلادنا!

عندما رأيت الغضب العارم المنهال على الفتاة، ظننتها جاءت بابنها بطريق الخطأ، ومع هذا لم أتوقف عند الأمر، هو أمر شخصى للغاية لا يعنى سوى «هدير» وفقط، ومن ثم عائلتها. لكنه أمرها الخاص جداً، حتى إن قررت إعلانه بالتفاصيل!!

بيد أنها ذكرت أن طفلها هو من زواج عرفى تملص منه الأب وأسرتها، ولشعورها بالخوف مما يمكن أن تتعرض له هى ووليدها، قررت ذكر التفاصيل علناً ونشرها على صفحتها، فى النهاية هى امرأة وحيدة، خائفة، قلقة، بمجتمع يدعى الفضيلة ويتمسك بها ظاهرياً!

من مبادئ الفضيلة يا سادة، عدم جلد البشر، عدم تكذيبهم والادعاء عليهم أو تلفيق التهم لهم!! عدم المزايدة على الأخلاق والالتزام، عدم معايرة المخطئ وعدم لعنه، من مبادئ الفضيلة يا سادة التعاطف مع الضعيف المقهور والمظلوم. من أسس الفضيلة يا سادة والغيرة الحقيقية على المجتمع الكريم، أن نربى أبناءنا الذكور على الرجولة والالتزام وتحمل المسئولية! وأن ننشئ البنات على أن القوة والعزم يكون أجدى عندما نختار بطريقة صحيحة، وألا نرهقهن بتعنت فى الرفض، فيكون رد فعلهن كارثياً بحق.

«هدير» وطفلها قصة من قصص كثيرة، بمجتمع مشاكله الاجتماعية كبيرة، تأخر سن زواج، قصر ذات يد الشباب بتكوين أسر، جهل أسرى من آباء وأمهات يظنون أن تربية الأبناء بإطعامهم وإلباسهم وتمرير روتين الحياة العادى وفقط!! أطفالنا اليوم هم شباب الغد، إن كنا حقاً غيورين على الالتزام والفضيلة والأخلاق لنبدأ بأنفسنا؛ أولاً بكف الأذى عن «هدير» وطفلها، أتعجب كيف لوجه طفل برىء ألا يزرع الرحمة بقلوب الغاضبين! ويجعلهم ينحون وجوههم المقتضبة وقلوبهم المنقبضة؟! امرأة أنجبت طفلاً واسمته باسمها، متقمصة دور رجل لم تجده بقربها! هى لم تسمه باسم أحدكم يا سادة! بالله خففوا من حدة الغضب.

ثانياً، وجهوا عواصفكم لمكانها الصحيح، لأهل لم يكونوا سنداً أو عوناً، لست أقصد أهل «هدير» تحديداً، ولا أقصد بالمساندة قبول قرار الفتاة، لكن الدعم والمساندة يكون منذ البدء، منذ الطفولة الحديثة جداً، عندما يبدأ أول أسئلة الأبناء، ما هو الحب!! وتكون الإجابة العقيمة السائدة (عيب انت لسه صغير) يسكت الطفل ويظل السؤال حائراً بذهنه، منتظراً الإجابة، التى ربما أتت من أحد الأشرار، مغلفة بالخطيئة والأسرار، يعتقد الأهل حينها أنهم محافظون ملتزمون، لكنه ذاك الجيل الضال الملعون!! عذراً جهلهم وحمقهم بالتربية هو الجانى الحقيقى.

ثالثاً، امحوا جملة (انت رجل لا يعيبك شىء)!! هذه الجملة سبب كل الوبالات والموبقات، الرجل موقف وكلمة وعهد، ليس فقط بإقامة العلاقات! لكن بالحياة عموماً، الوفاء بالعهد، تحمل المسئولية، رشادة التفكير الذى يتسم بالعقلانية مقارنة بعاطفية الفتاة! هكذا تنشأ الذكور وتربى. لا على الانطلاق بالشوارع ككلاب صيد تنهش أى فريسة تجدها أمامها!

رابعاً، إن رأيتم ضعفاً من شركاء هذا الكوكب، احمدوا الله الذى عافاكم من شر معاناة غيركم، وادعوا للناس بالستر والصلاح وزوال الهموم، الفضيلة أساسها الرحمة والرأفة والشعور بالغير ومحاولة الإصلاح بطرق إيجابية طيبة متسامحة. الفضيلة لا تحتاج مسدساً محشواً بطلقات الغضب واللعن، الفضيلة بسمة غفران وإشفاق على مصائب الناس ومعاناتها، عافانا الله وإياكم من كل شر.

توقف يا شعبنا الفاضل الهادر عن هدر اسم «هدير».