«النازحون»: اللهاث وراء لقمة العيش واجب.. إنها «نداهة العاصمة»

كتب: أحمد عصر

«النازحون»: اللهاث وراء لقمة العيش واجب.. إنها «نداهة العاصمة»

«النازحون»: اللهاث وراء لقمة العيش واجب.. إنها «نداهة العاصمة»

اختلفت ظروفهم، وتنوعت محافظاتهم التى شهدت صرختهم الأولى فى الدنيا، ضاقت عليهم «بلادهم» فضاقوا بها، ودون اتفاق مسبق، اجتمعوا على الرحيل منها بحثاً عن مصادر رزق يعيشون منها وأسرهم، هذا هو الحال الذى اجتمع عليه عدد كبير من «أهل الصعيد» الذين «هربوا» من محافظاتهم لقلة الرزق بها، ولم يجدوا أمامهم سوى وجهة واحدة إلى القاهرة، منهم من استقر بها منذ اليوم الأول له فيها وأصبحت عودته إلى محافظته عبارة عن زيارات متقطعة، وآخرون تركوا أسرهم خلفهم، يعودون إليهم أول كل شهر ويقضون معهم بضعة أيام ليعيدوا الكرة مرة أخرى، وآخرون جاءت أسرهم قبل أن يولدوا، فكبروا وترعرعوا فى جوانب العاصمة، ورغم تمسكهم بلهجتهم وملابسهم «الصعيدية»، إلا أن صلتهم بصعيدهم انقطعت بعد أن شغلهم عملهم عنها.

{long_qoute_1}

رجب خلاف، 47 سنة، من محافظة سوهاج، وطأت قدماه أرض القاهرة منذ أن كان فى الـ17 من عمره، شهور قليلة مرت وقتها على زواجه، ليقرر أن يصطحب زوجته معه إلى العاصمة، بحثاً عن أبواب الرزق المفتوحة بها، فهبطا سوياً على منطقة «بولاق» وأقاما بها بعد أن اتخذ «رجب» من مهنة «بيع الليف» مهنة له: «مشاكل الصعيد كبيرة وكل واحد هناك دلوقتى بقى يدور له على باب رزق بره»، يقولها «رجب» بعد أن اتكأ على عربته الخشبية، التى حُملت بـ«الليف» المرصوص بعناية، ليكمل حديثه قائلاً: «فيه مشكلة كبيرة فى الصعيد وهى إن كل واحد سواء كان معاه فلوس أو مش معاه، تلاقيه مخلف 7 عيال مثلاً أو أكتر كمان، وكلهم بيكونوا عايشين فى بيت واحد، ويكون الأب عنده كام قيراط أرض ولا حتى فدان، زارعه بياكل منه هو وعياله، بس أول ما العيال ديه تكبر تلاقى الدنيا ضاقت عليهم ويبدأ كل واحد فيهم يشق طريقه هنا وهنا».

إخوة 6 لـ«رجب» ضاقت عليهم سبل الرزق فى محافظتهم، فخرج منهم 4 إلى القاهرة من أجل العمل، وظل بقيتهم فى «سوهاج»: «الـ3 الباقيين عايشين فى الصعيد، ودول للأسف حالتهم عدم، وإن كنا احنا هنا فى القاهرة بنعانى برضه لكن فى الآخر احنا عايشين أحسن منهم، بس هما للأسف خلاص ارتبطوا بالصعيد ومبقوش يعرفوا يخرجوا منه، وعشان كده أنا لما جيت أخلف خلفت 3 عيال بس، والتالت ده جه غلطة كمان، عشان مش عايز عيالى يطلعوا يلاقوا الدنيا ضيقة عليهم زى ما حصل معايا أنا واخواتى».

{long_qoute_2}

وفى أحد شوارع منطقة الدقى وقف الستينى، أحمد عبدالجواد، متكئاً على سيارة أمام العمارة التى يعمل بها بواباً لها منذ 5 أعوام مضت، بعد أن ترك محافظته «بنى سويف» وقرر أن يستقر بالقاهرة: «قبل كده كنت بروح وباجى على حسب الشغل، وكنت بشتغل فى البلد مساعد زراعى، بس دلوقتى خلاص مبقاش فيه زراعة زى الأول، ده غير إن خلاص الصعيد ضاق على أهله، عشان كدة قعدت هنا على طول»، يقولها «أحمد» بعد تأكيده على أن «أكل العيش» هو السبب الوحيد الذى دفعه إلى ترك الصعيد رغم حبه الشديد له، ليضيف قائلاً: «لو هختار أكيد هختار بلدنا، لأن الريف عموماً فيه حاجات حلوة كتير قوى عن هنا، وتلاقى كل الناس اللى حواليك عارفاك، والجار بياكل مع الجار فى طبق واحد، إنما هنا كل واحد فى حاله، وده لأن القاهرة لامة من كل المحافظات اللى جنبها، بس احنا للأسف فى عصر الجوع، وكل واحد لازم يجرى على أكل عيشه لو فى آخر الدنيا»، زيارات متقطعة تحكمها «المادة» بين «أحمد» وأهله فى الصعيد، لا يريد أن يقطعها حتى لا يفقد وأبناؤه المعانى التى تربى عليها: «آخر مرة كنت هناك من شهر تقريباً، ورغم إن ولادى عايشين هنا فى القاهرة ومرتبطين بيها، بس تلاقيهم بيحبوا الريف أكتر ويحبوا يسافروا على طول، بس قلة الفلوس هى اللى بتمنعنا».

وداخل أحد الأسواق، وقف السبعينى محمد أحمد، أمام فرشته لبيع الفاكهة، وقد دلت هيئته على أصله الصعيدى، رغم أنه لم يولد به، ليقول: «الصعايدة دول هما اللى بنوا مصر أصلاً، وفيه منهم ناس كتير جداً عايشين فى القاهرة هنا، ووالدى كان واحد منهم، فى الأربعينات ساب أسيوط وباع بيتنا اللى هناك وجه سكن واشتغل هنا فى القاهرة لأنه كان مقرر يقعد فيها على طول، ويمكن ده السبب اللى خلانى رغم سنين عمرى ديه كلها مروحش الصعيد ولا مرة».

عيشة «ليها ناسها» على حسب قول «محمد» فى محافظات الصعيد المختلفة، وليس محافظته التى يعود إليها أصله فحسب، ليعبر عن ذلك قائلاً: «اللى يقعد فى الصعيد دلوقتى لازم يكون واحد غنى ومعاه فلوس عشان يعرف يعيش، غير كده لأ، لأن أبواب الرزق هناك دلوقتى قليلة جداً»، مضيفاً: «الشغل فى القاهرة نفسها دلوقتى مبقاش زى الأول عشان الحياة الغالية اللى احنا عايشينها ديه واللى خلت الناس كلها تاكل فول، وحتى الفول هو كمان غلى».

وفى منطقة السيدة زينب، جلس شعبان إبراهيم، ابن محافظة المنيا، صاحب الخمسين عاماً، بين أصدقائه من العاملين فى «المعمار»، وأمام كل واحد منهم أدوات الهدم خاصته، ينتظرون رزق يومهم: «أنا بقالى 35 سنة شغال فى المعمار هنا فى مصر، بس شغلنا كله يعتبر على الله ومش ثابت، باجى مثلاً شهر أقعده هنا وبعد كده أرجع البلد 10 أو 15 يوم»، يقولها «شعبان» قبل أن يوضح طبيعة عمله فى محافظته بعد العودة إليها، التى تتلخص فى «يومية فلاحة» ربما لم تكن متوفرة فترة وجوده فى «المنيا»: «الغلا اللى احنا عايشين فيه خلى أصحاب الأراضى دلوقتى يستغنوا عن الناس اللى كانوا بيجيبوهم يشتغلوا فى أرضهم، وبقى كل واحد يجمع أهل بيته يشغلهم معاه عشان يوفر، وإن كان هنا الشغل يوم فيه و10 لأ، بس فى الآخر اليومية بتكون كبيرة شوية ومعقولة وتخليك تشتغل».

كثيرون هم من على شاكلة «شعبان» فى القاهرة، يأتون إليها أياماً قد تصل إلى شهر أو أكثر، ثم يعودون إلى أسرهم بالمال الذى يكاد يكفى احتياجات شهرهم: «كل 4 أو 5 بيأجروا شقة يقعدوا فيها الفترة اللى هما فيها هنا فى القاهرة، عشان هيبقى من الصعب علينا نجيب عيالنا معانا لأن العيشة هنا غالية، والسكن كمان غالى لو الواحد هيدفع الإيجار لوحده، ده غير أسعار كل حاجة اللى زادت، والساندوتش اللى كان بجنيه أول ما جيت القاهرة بقى بـ10 جنيه دلوقتى وميتاكلش، وحتى رغيف العيش الفاضى اللى كان بشلن بقى الـ3 بجنيه، ده غير بقى الناس اللى الواحد بيشتغل عندهم، بقوا يحسبوا اليومية عليك ويديهالك وهو باصصلك فيها».


مواضيع متعلقة