«اسكتش» مرسى.. وقابيل وهابيل!!

بخطاب جاء مفتقداً لأىّ من مفردات الخطاب السياسى اللائق برأس الدولة، ومفتقراً لأدنى إحساس بخطورة ما ينتظره الوطن خلال ساعات، وجاءت كلماته وطريقة إلقائه أشبه بـ«اسكتش» يستمع إليه رواد أحد الموالد الشعبية فى قرية من تلك المتناثرة على سطح دلتا مصر، أضاع «مونولوجست الأهل والعشيرة لدى قصر الاتحادية»، مساء الأربعاء الماضى، الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بل وزايد فى تهديداته للشارع الذى يصر على استرداد ثورته من «وعّاظ القراصنة» الذين أجهضوا «حلم الوطن» بمستقبل أفضل وأخضعوا مصر الثورة لـ«عملية قسمة» على اثنين!! بالتأكيد أن أحداً من شهداء الثورة (الذين باتوا أحياء عند ربهم يُرزقون) لم يتخيل قبل أن يغادر موقعه على الأرض ليصعد إلى السماء أن «صناعة الكراهية» التى يحتكرها حصرياً مكتب إرشاد الأهل والعشيرة بالمقطم، وسلسلة الفشل المتتالى للجماعة فى رسم ملامح مستقبل مصر وإجهاضها حلم الوطن سيهدد بعد لحظات بإعادة استنساخ «قابيل وهابيل» ليقتتلا وينشغل الآخر بمداراة «سوءة أخيه» لا لشىء إلا لأن هذا الآخر قد أصبح مغرراً به ومقتنعاً بأن دفاعه عن «الباطل» هو الحق ذاته! فمن السهل أن تُقنع أحداً يمسك فى يده زجاجة مولوتوف بأن إلقاءها على الآخر هو فى سبيل الله، أو أن إعمال «سيفه» هو من أجل نصرة شرع الله!! وفى الوقت الذى انشغل فيه روّاد «مولد قاعة الاحتفالات»، مساء الأربعاء الماضى، بترديد هتاف زائف «ثوار.. أحرار.. هنكمل المشوار»، والتهبت أكفهم تصفيقاً للعرض الذى يقدمه «مونولوجست الأهل»، كان للشارع فى ميدان التحرير رأى آخر، إذ إلى جانب «علم مصر» الذى رفعته الأيادى ارتفعت فى الهواء «الأحذية» فى رد اختاره المعارضون على ما يسمعونه عبر أجهزة التليفزيون نقلاً من القاعة!! على مدى أكثر من ساعتين ونصف الساعة هجر «مونولوجست الأهل والعشيرة» أىّ عقلانية كان يجب أن يتصف بها، ولم يكتف بتجاهله الحد الأدنى لاستحقاقات نزع فتيل الأزمة استشعاراً من جانبه بمدى خطورة ما ينتظره الوطن، فاختار أن يصفّى حساباته الخاصة مع رموز الإعلام، وأن يدير معركة ثأره مع القضاة، وأن ينتقم من غيرهم ممن يشكلون له جدراناً صلبة لصد محاولات تمكين الجماعة من مفاصل الدولة، فراح يلقى عليهم باتهامات مرسلة بأنهم يؤججون نيران الفتنة، وينسج حكايات وروايات حول رموز -تختلف أو تتفق معها- غادروا الدنيا وأصبحوا غير قادرين على الرد عليها. ويبدو أنه كان هو نفسه يتمنى أن تكون صحيحة، وفى نفس الوقت تجاهل فتاوى شيوخ التطرف والكراهية من الأهل والعشيرة التى ترددت فى حضوره شخصياً فى الصالة المغطاة لاستاد القاهرة، وهو ما أثمر فى النهاية مجزرة ليلة النصف من شعبان فى زاوية أبوالنمرس!! طوال «فقرات الاسكتش» سعى «مونولوجست العشيرة» -متقمصاً دور «عتريس .. شىء من الخوف»- إلى تأكيد سيطرته على المؤسستين الوطنيتين: القوات المسلحة والأمن، «فأنا القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس المجلس الأعلى للشرطة» فى إشارة من جانبه إلى ملايين الرافضين له بألا يأملوا فى أن تنحاز المؤسستان إلى جانب الإرادة الشعبية دون أن يدرك أن المؤسسة العسكرية الوطنية لا تعرف الحياد مع إرادة الشعب، وأن شباب المؤسسة الأمنية قد أكدوا أنهم يمثلون جهازاً لا يتبع شخصاً أو نظاماً، بل يتبع دولة ويحترم شعباً. أياً ما يكون الانتماء السياسى لمن خرج أو سيخرج إلى الشارع، فيكفيه أن من سيواجهه هو أخ له وأن «قابيل وهابيل» كانا فصلاً فى تاريخ مضى، ويجب ألا يعود، وألا يرهق نفسه فى التفتيش فى فتاوى شيوخ الفتنة عن «غراب» يلقنه كيف يدارى «سوءة أخيه»!