كلبش في حلمك

رحاب جمال

رحاب جمال

كاتب صحفي

يُتهم الكثير من الشباب أنه يرفض فرص العمل التي تُقدم له على طبق من فضة، ولا يحاول أن :"يحب ما يعمل حتى يعمل ما يحب" هذه القاعدة التي تربينا عليها، بما أننا نعلم منذ الصغر، أن الإنسان يصعب عليه أن يعمل ما يحب، لعدة عوامل أولها مكتب التنسيق، وثانيها عدم إتاحة فرص عمل مناسبة في كل وقت. 

 

والواقع أني أرى الوضع مختلف تمامًا، فكثيرًا من الشباب يحاول أن يجعل من عمله البعيد تمامًا عن أحلامه وأهدافه وطموحه، مكملًا أو بداية كي يصل إلى ما يريد، ولكن هل ما يعمله يريد ذلك أيضًا؟! 

 

في الغالب لا، وأخص هنا الغالب، لأن هناك البعض حقًا يؤمن بالشباب وطاقته ويحاول منه في تطوير مؤسسته وعمله. 

 

تعلو الصيحات التي تحث الشباب على أن يعملوا المتاح حتى يجدوا عملًا مناسبًا لمؤهلاتهم، لكن هل العمل يكون وفقًا للمؤهل فقط؟ أم أنه حلمًا وطموحًا يتم تأسيسه وبناءه كي يصل الإنسان إلى مبتغاه "هدفه”". إن الأحلام لا وقت فيها لإهدار الروح والفكر قبل الوقت، لأن الحلم نور يضيء دواخلنا به نسير في الحياة، ونستطيع أن نتحمل مكابدها. 

 

سأسرد لكم يا أصدقائي حكاية حلم، أخذ العرف المجتمعي والقوانين والروتين من وقته الكثير، لكنه استطاع إنقاذ نفسه في الوقت المناسب. 

 

وهي حكاية لشاب يعشق الكتابة، وأمله أن يكون كاتبًا سينمائيًا، ولكن يواجه ظروفًا مادية صعبة، فقرر أن يعمل في أي وظيفة ولكن على طريقته الخاصة؛ أي أنه سيتعلم كل جديد ويستفيد من كل شيء في المهن الذي سلكها من أجل المال، مؤمنًا بأن الوقت ذاته ربح، وتطوير الفكر ربحًا آخر..  ولكن هل استطاع تحقيق ذلك؟!

 

في البداية عمل في أماكن تحمل أفكارًا جديدة وتمنح راتبًا متواضعًا، ولكنه كان يكمل مشواره لأنه يتعلم كل يوم ما هو جديد، وما سيساعده في تطوير نفسه وقدراته ككاتب فيما بعد.. إلى أن تطلع إلى راتب أكبر فقدم في إحدى الوظائف كمسؤول علاقات عامة بأحد المراكز الكبيرة للدورات التدريبية (الكورسات) المعنية باللغات الأجنبية، وبعد أن تقدم وتم قبوله، وجد نفسه في اليوم التالي لا يفعل شيئًا سوى أنه يقوم بالرد على الهاتف ليقول مجموعة من العبارات ممنوع الخروج عنها مطلقًا وإلا فإنه في هذه الحال يكون قد أفسد كل شيء، فشعر بالضيق وقرر الحديث مع صاحب العمل، بعد أن جهز مجموعة من الأفكار لتطوير طريقة العمل المملة البغضية بالنسبة له. 

وكان دائمًا يتساءل.. كيف يستطيع إنسان أن يتحدث لمدة ثمان ساعات، مرددًا نفس العبارات، ما وجه الإفادة من ذلك؟!

 

وفي اليوم الثالث استدعاه صاحب العمل، الذي كان شابًا في مثل سنة تقريبًا.. وبدأ حديثه بان أعطاه علبة من الكبريت وأمره بأن "قوم ولع في المكتب دلوقتي".. فرفض الشاب مستنكرًا ما يطلبه منه مديره.. لكن صاحب العمل أصر، قائلًا: "مش في مثل بيقولك اربط الحمار مكان ميقولك صاحبه".. فأجابه الشاب :"ولكني لست حمار كي أفعل ذلك". 

 

ومن هنا بدأ صاحب العمل حديثه، دون مقدمات، قائلًا:"لذا طلبت الحديث معك على الرغم من أنه ليس لدي وقت لك". 

لست بحاجة لمفكر أو أحد يشاركني في الرأي أو التخطيط هنا.. أنا بحاجة لموظف ينفذ ما أأمره به وحسب..

تعجب الشاب من أسلوب صاحب العمل، الذي يتحدث بأسلوب هادئ مبتسم ويلقي كلامًا لا علاقة له بالمنطق.. فحاول الشاب أن يجاريه هدوءه. 

وقال :"ولكن لم أتحدث منذ أتيت إلى هنا، ولم أعرض فكرة، ولم أسبب أي مشكلة، فأنا إلى الآن لا أعرف ماذا حدث". 

وأصابته الصاعقة من إجابة صاحب العمل حين قال :"أنا لن أنتظر أن تحدث مشكلة منك، أو أن تفكر، أنا صاحب عمل ولست بحاجة لمفكر ولو كنت بحاجة لأتيت بهم كموظفين ومنحتهم رواتب وهم كثر وأغلبهم حملة الماجستير والدكتوراه". 

 

على الرغم من استفزاز كلام صاحب العمل، إلى أن الشاب أصر على أن يستمع إليه للنهاية.. ولم يكن في الحديث جديد سوى أنه طلب منه مجددًا بعد كلماته المميتة أن يحرق المكتب.. فأجابه الشاب بابتسامة باردة "طظ في سيادتك ".. وتعجب الشاب من رد فعل صاحب العمل، حيث كان محافظًا على ابتسامته الباردة وقام ليصافحه، قائلًا :"اتشرفت بمعرفتك جدًا.. وإن شاء الله يوم ما احتاج شريك أكيد مش هلاقي أحسن منك". 

 

في تلك اللحظة خرج الشاب في بداية الأمر وهو يملئه الإحباط، ولكنه بعد تفكير عميق وجد أن هذا الرجل معه حق، فالعيب ليس فيه ولا في صاحب العمل، ولكن العيب في الحلم.. تلك المهن مناسبة حقًا ولكن لمن لا يملكون حلمًا وهدفًا واضحًا ومحددًا ويعملون من أجل العيش فقط. 

وأخذ عهدًا على نفسه بألا يعمل في مهنة لا تحتاج إلى تفكير، وأن يتحمل مكابد العناء التي تلقي به إلى كله كلما ابتعد عنه.. وعمل وظل يكتب وكله إيمان بأنه سيصل، واتخذ المسابقات سبيله في الوصول والشهرة وقد حصل على العديد من الجوائز.. وعمل في شركة كتابة بعد معاناة عشر سنوات.

"كلبش في حلمك..ومتفقدش إيمانك به".